الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 متن العقيدة الطحاوية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
العروابي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 158
نقاط : 2899
تاريخ التسجيل : 16/01/2010
الموقع : ام هجيليجة

مُساهمةموضوع: متن العقيدة الطحاوية   مايو 30th 2010, 20:27

ألفها العَلاَّمَةُ حُجَّةُ الإِسْلامِ أَبُو جَعْفَرٍ الوَرَّاقُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالى



مَتنُ العَقيدَةِ الطَّحاوِيةِ :

هَذا ما رَواهُ الإْمامُ أَبو جَعْفَرٍ الطَّحاوِيُّ في ذِكْرُ بَيانِ اعْتِقادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَماعَةِ عَلى مَذهَبِ فُقَهَاءِ المِلَّةِ أَبي حَنيفَةَ النُّعْمانِ بْنِ ثابتٍ الكُوفِيِّ، وَأَبي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْراهيمَ الأَنْصَارِيِّ، وَأَبي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبانِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعين، وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَيَدِينُونَ بهِ لِرَبَّ العَالَمِينَ. قالَ الإِمامُ وَبهِ قَالَ الإِمامانِ المَذْكُورانِ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى: نَقُولُ في تَوْحيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدينَ، بتَوْفيقِ اللَّهِ تَعالى:
إِنَّ اللَّهَ تَعالى وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلا شَيْءَ مِثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجِزُهُ، وَلا إِلهَ غَيْرُهُ، قَدِيْمٌ بلا ابْتِدَاءٍ، دَائِمٌ بلا انْتِهَاءٍ، لا يَفْنَى وَلا يَبيدُ، وَلا يَكُونُ إِلا مَا يُرِيدُ، لا تَبْلُغُهُ الأَوْهامُ، وَلا تُدْرِكُهُ الأَفْهامُ، وَلا تُشْبهُهُ الأَنامُ.
حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنامُ، خَالِقٌ بلا حَاجَةٍ، رَازِقٌ لَهُمْ بلا مُؤْنَةٍ، مُمِيتٌ بلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بلا مَشَقَّةٍ. مَازالَ بصِفَاتِهِ قَدِيماً قَبْلَ خَلْقِهِ. لَمْ يَزْدَدْ بكَوْنِهِمْ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَاتِهِ، وَكَما كَانَ بصِفَاتِهِ أَزَلِيَّاً كَذلِكَ لا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيَّاً. لَيْسَ مُنْذُ خَلَقَ الخَلْقَ اسْتَفَادَ اسْمَ الخَالِقِ، وَلا بإِحْدَاثِهِ البَرِيَّةَ اسْتَفَادَ اسْمَ البارِي، لَهُ مَعْنى الرُّبوبيَّةِ وَلا مَرْبوبٌ، وَمَعْنى الخَالِقِيَّةِ وَلا مَخْلوقٌ، وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي المَوْتَى بَعْدَما أَحْيَاهُمْ، اسْتَحَقَّ هَذا الاسْمَ قَبْلَ إِحْيائِهِمْ، كَذلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ، ذلِكَ بأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسيرٌ، لا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ ليْسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.

خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ، وَقَدَّرَ لَهُمْ أَقْداراً، وَضَرَبَ لَهُمْ آجالاً، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ خَلَقَهُمْ، وَعَلِمَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بطَاعَتِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ. وَمَشِيئَتُهُ تَنْفُذُ، وَلا مَشِيئَةَ لِلْعِبَادِ إِلاَّ مَا شَاءَ لَهُمْ، فَمَا شَاءَ لَهُمْ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.

يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيَعْصِمُ وَيُعَافِي مَنْ يَشَاءُ فَضْلاً، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَخْذُلُ وَيَبْتَلِي عَدْلاً. وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنِ الأَضْدَّادِ وَالأَنْدَادِ لا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلا غَالِبَ لأَمْرِهِ، آمَنَّا بِذلِكَ كُلِّهِ، وَأَيْقَنَّا أَنَّ كُلاًّ مِنْ عِنْدِهِ.

وَإِنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم عَبْدُهُ المُصْطَفَى، وَنَبيُّهُ المُجْتَبَى، وَرَسُولُهُ المُرْتَضَى، خَاتِمُ الأَنْبيَاءِ وَإِمَامُ الأَتْقِياءِ، وَسَيِّدُ المُرْسَلِينَ، وَحَبيبُ رَبِّ العَالَمِينَ، وَكُلُّ دَعْوَةِ نُبُوَّةٍ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ فَغَيٌّ وَهَوَى؛ وَهُوَ المَبْعُوثُ إِلى عَامَّةِ الجِنِّ وَكَافَّةِ الوَرَى، المَبْعُوثِ بالحَقِّ وَالهُدَى.

وَإِنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعَالى، بَدَأَ بلا كَيْفِيَّةٍ قَوْلاً، وَأَنْزَلَهُ عَلَى نَبيِّهِ وَحْياً، وَصَدَّقَهُ المُؤْمِنُونَ عَلَى ذلِكَ حَقَّاً، وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى بالحَقِيقَةِ. لَيْسَ بمَخْلُوقٍ كَكَلامِ البَرِيَّةِ، فَمَنْ سَمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَلامُ البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَدْ ذمَّهُ اللَّهُ تَعالَى وَعَابَهُ، وَأَوْعَدَهُ عَذابَهُ، حَيْثُ قَالَ: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ فَلَمَّا أَوْعَدَ اللَّهُ سَقَرَ لِمَنْ قَالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ عَلِمْنا أَنَّهُ قَوْلُ خَالِقِ البَشَرِ، وَلا يُشْبهُ قَوْلَ البَشَرِ، وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بمَعْنَىً مِنْ مَعَانِي البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، فَمَنْ أَبْصَرَ هَذا اعْتَبَرَ، وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الكُفَّارِ انْزَجَرَ، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بصِفَاتِهِ لَيْسَ كَالبَشَرِ.

وَالرُّؤْيَةُ حَقٌّ لأَهْلِ الجَنَّةِ بغَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلا كَيْفِيَّةٍ، كَمَا نَطَقَ بهِ كِتَابُ رَبِّنَا حَيْثُ قَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ  إِلَى رَبها نَاظِرَةٌ وَتَفْسِيرُهُ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَلِمَهُ، وَكُلُّ مَا جَاءَ فِي ذلِكَ مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ أَصْحَابهِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَعْنَاهُ وَتَفْسِيرُهُ عَلَى مَا أَرَادَ، لا نَدْخُلُ فِي ذلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بآرائِنَا وَلا مُتَوَهِّمِينَ بأَهْوَائِنا، فَإِنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِهِ إِلاَّ مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ تَعَالى وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ، وَلا يَثْبُتُ قَدَمُ الإِسْلامِ إِلاَّ عَلَى ظَهْرِ التَّسْليمِ وَالاسْتِسْلامِ، فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْنَعْ بالتَّسْليمِ فَهْمُهُ، حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحيدِ، وَصَافِي المَعْرِفَةِ، وَصَحِيحِ الإِيمَانِ، فَيَتَذبْذبُ بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيْمَانِ، وَالتَّكْذِيبِ، وَالإِقْرَارِ وَالإِنْكَارِ، مُوَسْوَسَاً تَائِهَاً، زَائِغَاً شَاكَّاً، لاَ مُؤْمِنَاً مُصَدِّقاً، وَلاَ جَاحِداً مُكَذِّباً.
وَلا يَصِحُّ الإِيمَانُ بالرُّؤْيَةِ لأَهْلِ دَارِ السَّلامِ لِمَنْ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بوَهْمٍ، أَوْ تَأَوَّلَهَا بفَهْمٍ، إِذا كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنىً يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبيَّةِ تَرْكَ التَأْويلِ وَلُزُومَ التَّسْلِيمِ، وَعَلَيْهِ دِينُ المُرْسَلينَ وَشَرَائِعُ النَّبيِّينَ. وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبيهِ زَلَّ، وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ؛ فَإِنَّ رَبَّنا جَلَّ وَعَلا مَوْصُوفٌ بصِفَاتِ الوَحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بنُعُوتِ الفَرْدَانِيَّةِ، لَيْسَ بمَعْناهُ أَحَدٌ مِنَ البَرِيَّةِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنِ الحُدُودِ وَالغَاياتِ، وَالأَرْكانِ وَالأَدَواتِ، لا تَحْوِيهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كَسَائِرِ المُبْتَدَعاتِ.
وَالمِعْرَاجُ حَقٌّ. وَقَدْ أُسْرِيَ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَعُرِجَ بشَخْصِهِ فِي الْيَقَظَةِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ العُلَى، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بمَا شَاءَ، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.
وَالْحَوْضُ الَّذِيْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بهِ غِيَاثَاً لأُمَّتِهِ حَقٌّ. وَالشَّفَاعَةُ الَّتِي ادَّخَرَهَا اللَّهُ لَهُمْ كَمَا رُوِيَ فِيْ الأَخْبَارِ. وَالْمِيْثَاقُ الَّذِيْ أَخَذهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ.
وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيْمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ، وَيَدْخُلِ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، لا يُزَادُ فِيْ ذلِكَ العَدَدِ وَلا يَنْقُصُ مِنْهُ؛ وَكَذلِكَ أَفْعَالَهُمْ، فِيْمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ. وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
وَالأَعْمَالُ بالخَوَاتِيْمِ، وَالسَّعِيْدُ مَنْْ سَعِدَ بقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَىْ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَىْ.
وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبيٌّ مُرْسَلٌ. وَالتَّعَمُّقُ وَالنَّظَرُ فِيْ ذلِكَ ذرِيْعَةُ الخِذلانِ، وَسُلَّمُ الْحِرْمَانِ، وَدَرَجَةُ الطُّغْيَانِ. فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذلِكَ نَظَراً أَوْ فِكْراً أَوْ وَسْوَسَةً؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىْ طَوَىْ عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ، كَما قالَ في كِتابهِ: لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يفْعَلُ وَهُمْ يسْأَلوْنَ. فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ كِتابِ اللَّهِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى كَانَ مِنَ الكافِرينَ.
فَهذا جُمْلَةُ ما يَحْتاجُ إِلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ مِنْ أَوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخينَ في العِلْمِ؛ لأَنَّ العِلْمَ عِلْمانِ:
عِلْمٌ في الخَلْقِ مَوْجودٌ، وَعِلْمٌ في الخَلْقِ مَفْقودٌ؛ فَإِنْكارُ العِلْمِ المَوْجودِ كُفْرٌ، وَادِّعاءُ العِلْمِ المَفْقودِ كُفْرٌ.
وَلا يَصِحُّ الإِيمانُ إِلاَّ بقَبولِ العِلْمِ المَوْجودِ، وَتَرْكِ طَلَبِ العِلْمِ المَفْقودِ.
وَنُؤْمِنُ باللَّوْحِ، وَالقَلَمِ، بجَميعِ ما فيهِ قَدْ رُقِمَ. فَلَوِ اجْتَمَعَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلى شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ فيهِ أَنَّهُ كائِنٌ لِيَجْعَلوهُ غَيْرَ كائِنٍ لَمْ يَقْدِروا عَلَيْهِ. جَفَّ القَلَمُ بما هُوَ كائِنٌ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ. وَما أَخْطَأَ العَبْدَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَهُ، وَما أَصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ.
وَعَلى العَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَبَقَ عِلْمُهُ في كُلِّ شَيْءٍ كائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَقَدَّرَ ذلِكَ بمَشيئَتِهِ تَقْديراً مُحْكَماً مُبْرَماً، لَيْسَ فيهِ ناقِضٌ وَلا مُعَقِّبٌ، وَلا مُزيلٌ وَلا مُغَيِّرٌ، وَلا مُحَوِّلٌ، وَلا زَائِدٌ وَلا ناقِصٌ مِنْ خَلْقِهِ في سَماواتِهِ وَأَرْضِهِ. وَذلِكَ مِنْ عَقْدِ الإِيمانِ وَأُصولِ المَعْرِفَةِ، وَالاعْتِرافِ بتَوْحيدِ اللَّهِ وَرُبوبيَّتِهِ؛ كَما قالَ تَعالى في كِتابهِ العَزيزِ: وَخَلَقَ كلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تقْدِيرَاً، وَقالَ تَعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرَاً مَقْدُورَاً. فَوَيْلٌ لِمَنْ صارَ لَهُ اللَّهُ في القَدَرِ خَصيماً، وَأَحْضَرَ لِلنَّظَرِ فيهِ قَلْباً سَقيماً، لَقَدِ الْتَمَسَ بوَهْمِهِ في مَحْضَ الْغَيْبِ سِرَّاً كَتيماً، وَعادَ بما قَال فيهِ أَفَّاكاً أَثيماً.
وَالعَرْشُ وَالكُرْسِيُّ حَقٌّ. وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ مُسْتَغْنٍ عَنِ العَرْشِ وَما دونَهُ، مُحيطٌ بكُلِّ شَيْءٍ وَبما فَوْقَهُ، قَدْ أَعْجَزَ عَنِ الإِحاطَةِ خَلْقَهُ.
وَنَقولُ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذ َ إِبْراهيمَ خَليلاً، وَكَلَّمَ موسى تَكْليماً، إِيماناً وَتَصْديقاً وَتَسْليماً.
وَنُؤْمِنُ بِالمَلائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالكُتُبِ المُنْزَلَةِ عَلى المُرْسَلينَ. وَنَشْهَدُ أَنَّهُم كانوا عَلى الحَقِّ المُبينِ. وَنُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنا مُسْلِمينَ مُؤْمِنينَ ما دامُوا بما جاءَ بهِ النَّبيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ مُعْتَرِفينَ، وَلَهُ بكُلِّ ما قالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقينَ غَيْرَ مُكَذبِّينَ.
وَلا نَخوضُ في اللَّهِ، وَلا نُماري في دينِ اللَّهِ تَعالى. وَلا نُجادِلُ في القُرْآنِ؛ وَنَعْلَمُ أَنَّهُ كَلامُ رَبِّ العالَمينَ، نَزَلَ بهِ الرُّوحُ الأَمينُ، فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ المُرْسَلينَ، مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبهِ أَجْمَعينَ. وَكلامُ اللَّهِ تَعالى لا يُساويهِ شَيْءٌ مِنْ كَلامِ المَخْلوقينَ. وَلا نَقولُ بخَلْقِ القُرْآنِ؛ وَلا نُخالِفُ جَماعَةَ المُسْلِمينَ.
ولا نَقولُ: لا يَضُرُّ مَعَ الإِسْلامِ ذنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ؛ وَنَرْجو لِلْمُحْسِنينَ مِنَ المُؤْمِنينَ، وَلا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلا نَشْهَدُ لَهُمْ بالجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسيئِهمْ. وَنَخافُ عَلَيْهِمْ وَلا نُقَنِّطُهُمْ. وَالأَمْنُ وَالإِياسُ يَنْقُلانِ عَنِ المِلَّةِ؛ وَسَبيلُ الحَقِّ بَيْنَهُما لأَهْلِ القِبْلَةِ، وَلا يَخْرُجُ العَبْدُ مِنَ الإِيمانِ إِلاَّ بِجُحودِ ما أَدْخَلَهُ فيهِ. وَالإِيمانُ هُوَ الإِقْرارُ بِاللِّسانِ وَالتَّصْديقُ بِالجَنانِ، وَأَنَّ جَميعَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ في القُرْآنِ، وَجَميعَ ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الشَّرْعِ وَالبَيانِ كُلُّهُ حَقٌّ. وَالإِيمانُ واحِدٌ وَأَهْلُهُ في أَصْلِهِ سَواءٌ، وَالتَّفاضُلُ بَيْنَهُمْ في التَّقْوى، وَمُخَالَفَةِ الهَوى.

وَالمُؤْمِنونَ كُلُّهُمْ أَوْلِياءُ الرَّحْمنِ، وَأَكْرَمُهُمْ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ.
وَالإِيمانُ: هُوَ الإِيمانُ باللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبهِ وُرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ؛ وَحُلْوُهِ وَمُرُّهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وَنَحْنُ مُؤْمِنونَ بذلِكَ كُلِّهِ، وَلا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَنُصَدِّقُهُمْ كُلَّهُمْ عَلى ما جاءوا بهِ.
وَأَهْلُ الكَبائِرِ مْنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في النَّارِ لا يُخَلَّدونَ إِذا ماتوا، وَهُمْ مُوْحِّدونَ وَإِنْ لَمْ يَكونُوا تائِبينَ بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عارِفينَ مُؤْمِنينَ، وَهُمْ في مَشيئَتِهِ وُحْكْمِهِ إِنْ شاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وَعَفا عَنْهُمْ بفَضْلِهِ، كَما قالَ تَعالى في كِتابهِ العَزيزِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بهِ وَيغْفِرُ مَا دُوْنَ ذلكَ لِمَنْ يشَاءُ. وَإِنْ شاءَ عَذبَّهُمْ في النَّارِ بقَدْرِ جنايَتِهِمْ بعَدْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْها برَحْمَتِهِ وَشَفاعَةِ الشَّافِعينَ مِنْ أَهْلِ طاعَتِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلى جَنَّتِهِ، وَذلِكَ بأَنَّ اللَّهَ مَوْلى أَهْلِ مَعْرِفِتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ في الدَّارَيْنِ كَأَهْل نُكْرَتِهِ الَّذينَ خابُوا مِنْ هِدايَتِهِ، وَلَمْ يَنالُوا مِنْ وِلايَتِهِ. اللَّهُمَّ يا وَلِيَّ الإِسْلامِ وَأَهْلِهِ مَسِّكْنا بالإِسْلامِ حَتَّى نَلْقاكَ بهِ.
وَنَرى الصَّلاةَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفاجرٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، وَنُصَلِّي عَلى مَنْ ماتَ مِنْهُمْ، وَلا نُنْزِلُ أَحَداً مِنْهُمْ جَنَّةً وَلا ناراً، وَلا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بكُفْرٍ وَلا شِرْكٍ وَلا نِفاقٍ ما لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ مِنْ ذلِكَ شَيْءٌ، وَنَذرُ سَرائِرَهُمْ إِلى اللَّهِ تعالى.
وَلا نَرى السَّيْفَ عَلى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  إِلاَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ.
وَلا نَرى الخُروجَ عَلى أَئِمَّتِنا وَوُلاةِ أُمورِنا وَإِنْ جارُوا، وَلا نَدْعو عَلى أَحَدٍ مِنْهُم، وَلا نَنْزِعُ يَداً مِنْ طاعَتِهِمْ. وَنَرى طاعَتَهُمْ مِنْ طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَريضَةً ما لَمْ يَأْمُروا بمَعْصِيَةٍ. وَنَدْعو لَهُمْ بالصَّلاحِ وَالنَّجاحِ وَالمُعافاةِ.
وَنَتَّبعُ السُّنَّةَ وَالجَماعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذوذ َ وَالخِلافَ وَالفُرْقَةَ. وَنُحِبُّ أَهْلَ العَدْلِ وَالأَمانَةِ، وَنُبْغِضُ أَهْلَ الجَوْرِ وَالخِيانَةِ.
وَنَرى المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ في السَّفَرِ وَالحَضَرِ، كَما جاءَ في الأَثَرِ. وَالحَجُّ وَالجهادُ فَرْضانِ ماضِيانِ مَعَ أُوْلي الأَمْرِ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمينَ بَرِّهِمْ وَفاجرِهِمْ لا يُبْطِلُهُما شَيْءٌ، وَلا يَنْقُضُهُما.
وَنُؤْمِنُ بالكِرامِ الكاتِبينَ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُمْ حافِظينَ.
وَنُؤْمِنُ بمَلَكَ المَوْتِ المُوَكَّلِ بقَبْضِ أَرْواحِ العالَمينَ.
وَبعذابِ القَبْرِ لِمَنْ كانَ لَهُ أَهْلاً.
وَبسُؤالِ مُنْكَرٍ وَنَكيرٍ لِلمَيِّتِ في قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدينِهِ وَنَبيِّهِ، عَلى ما جاءَتْ بهِ الأَخْبارُ عَنْ رَسولِ رَبهِ صلى الله عليه وسلم، وَعَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعينَ.
وَالقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ.
وَنُؤْمِنُ بالبَعْثِ وَبجزاءِ الأَعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وَالعَرْضِ وَالحِسابِ، وَقِراءَةِ الكِتابِ، وَالثَّوابِ وَالعِقابِ، وَالصِّراطِ.
وَالميزانِ يُوزَنُ بهِ أَعْمالُ المُؤْمِنينَ مِنْ الخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالطَّاعَةِ وَالمَعْصِيَةِ.
وَالجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلوقَتانِ لا يَفْنَيانِ، وَلا يَبيدانِ.
وَإِنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَخَلَقَ لَهُما أَهْلاً.
فَمَنْ شاءَ إِلى الجَنَّةِ أَدْخَلَهُ فَضْلاً مِنْهُ، وَمَنْ شاءَ مِنْهُمْ إِلى النَّارِ أَدْخَلَهُ عَدْلاً مِنْهُ.
وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِما قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، وَصائِرٌ إِلى ما خُلِقَ لَهُ.
وَالخَيْرُ وَالشَّرُ مُقَدَّرانِ عَلى العِبادِ، وَالاسْتِطاعَةُ الَّتي يَجبُ بها الفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفيقِ الَّذي لا يَجُوزُ أَنْ يُوْصَفَ المَخْلوقُ بها تَكونُ مَعَ الفِعْلِ، وَأَمَّا الاسْتِطاعَةُ مِنَ الصِّحْةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ، وَسلامَةِ الآلاتِ فَهِيَ قَبْلَ الفِعْلِ، وَبها يَتَعَلَّقُ الخِطابُ، وَهُوَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: لاَ يكَلفُ الْلَّهُ نفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا.
وَأَفْعالُ العِبادِ هِيَ بخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وَكَسْبٍ مِنَ العِبادِ.
وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ تَعالى إِلاَّ ما يُطِيْقُوْنَ، وَلا يُطِيْقُوْنَ إِلاَّ ما كَلَّفَهُمْ، وَهُوَ حاصِلُ تَفْسيرِ قَوْلِ "لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ"، تَقولُ: لا حِيلَةَ وَلا حَرَكَةَ لأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلاَّ بمَعُونَةِ اللَّهِ؛ وَلا قُوَّةَ لأَحَدٍ عَلى إِقامَةِ طاعَةٍ وَالثَّباتِ عَلَيْها إِلاَّ بتَوْفيقِ اللَّهِ.
وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْري بمَشيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعِلْمِهِ وَقَضائِهِ وَقَدَرَهِ.
غَلَبَتْ مَشيئَتُهُ المَشيئاتِ كُلَّها، وَغَلَبَ قَضاؤُهُ الحِيَلَ كُلَّها، يَفْعَلُ ما شاءَ وَهُوَ غَيْرُ ظالِمٍ أَبَداً.
تَقَدَّسَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَشَيْنٍ، لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يفْعَلُ وَهُمْ يسْأَلوْنَ.
وَفي دُعاءِ الأَحْياءِ للأَمْواتِ وَصَدَقَتَهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلأَمْواتِ.
وَاللَّهُ تَعالى يَسْتَجيبُ الدَّعَواتِ، وَيَقْضي الحاجاتِ، وَيَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلا يَمْلِكُهُ شَيْءٌ.
وَلا يُسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ تَعالى طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَمَنِ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَصارَ مِنْ أَهْلِ الخُسْرانِ.
وَإِنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْضَبُ وَيَرْضَى لا كَأَحَدٍ مِنَ الوَرَى.
وَنُحِبُ أَصْحابَ النَّبيِّ ، وَلا نُفَرِّطُ في حُبِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلا نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُمْ، وَبغَيْرِ الْحَقِ لا نَذكُرُهُمْ؛ وَنَرى حُبَّهُمْ ديناً وَإِيماناً وَإِحْساناً، وَبُغْضَهُمْ كُفْراً وَشِقاقاً وَنِفاقاً وَطُغْياناً.
وَنُثْبتُ الخِلافَةَ بَعْدَ النَّبيِّ  أَوَّلاً لأَبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَفْضيلاً وَتَقْديماً عَلَى جَميعِ الأُمَّةِ، ثُمَّ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ لِعُثْمانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ لِعَلِيٍّ بْنِ أَبي طالِبٍ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعينَ. وَهُمُ الخُلَفاءُ الرَّاشِدونَ، وَالأَئِمَّةُ المَهْدِيُّونَ، الَّذينَ قَضَوْا بالحَقِّ وَكانُوا بهِ يَعْدِلونَ.
وَإِنَّ العَشَرَةَ الَّذينَ سَمَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ  نَشْهَدُ لَهُمْ بالجَنَّةِ كَما شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ  وَقَوْلُهُ الحَقِّ، وَهُمْ: أَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمانُ وَعَلِيٌ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَسَعيدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ، وَهُوَ أَمينُ هذِهِ الأُمَّةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعينَ. وَمَنْ أَحْسَنَ القَوْلَ في أَصْحابِ النَّبيِّ  وَأِزْوَاجهِ وَذرِّيَّاتِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ.
وَعُلَماءُ السَّلَفِ مِنَ الصَّالِحينَ وَالتَّابعينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الخَيْرِ وَالأَثَرِ، وَأَهْلِ الفِقْهِ وَالنَّظَرِ، لا يُذكَرُونَ إِلاَّ بالجَميلِ، وَمَنْ ذكَرَهُمْ بسوءٍ فَهُوَ عَلى غَيْرِ السَّبيلِ.
وَلا نُفَضِّلُ أَحَداً مِنَ الأَوْلِياءِ عَلى أَحَدٍ مِنَ الأَنْبياءِ. وَنَقولُ: نَبيٌّ واحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَميعِ الأَوْلِياءِ، وَنُؤْمِنُ بما جاءَ مِنْ كَراماتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقاتِ مِنْ رِوايَتِهِمْ.
وَنُؤْمِنُ بأَشْراطِ السَّاعَةِ مِنْها: خُروجُ الدَّجَّالِ، وَنُزولُ عيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ، وَبطُلوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبها، وَخُروجِ دَابَّةِ الأَرْضِ مِنْ مَوْضِعِها.
وَلا نُصَدِّقُ كاهِناً وَلا عَرَّافاً، وَلا مَنْ يَدَّعي شَيْئاً بخِلافِ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْماعِ الأُمَّةِ.
وَنَرى الجَماعَةَ حَقَّاً وَصَواباً، وَالفُرْقَةَ زَيْغاً وَعَذاباً.
وَدِينُ اللَّهِ في السَّماءِ وَالأَرْضِ واحِدٌ وَهُوَ دِينُ الإِسْلامِ، كَما قالَ اللَّه تَعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الْلَّهِ الإِسْلامُ، وَقالَ تَعالى: وَمَنْ يبْتغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينَاً فَلَنْ يقْبَلَ مِنْهُ، وَقالَ تَعالى: وَرَضِيْتُ لكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً، وَهُوَ بَيْنَ الغُلُوِّ وَالتَّقْصيرِ، وَالتَّشْبيهِ وَالتَّعْطيلِ، وَالجَبْرِ وَالقَدَرِ، وَالأَمْنِ وَاليَأْسِ.
فَهذا دِينُنا وَاعْتِقادُنا، ظاهِراً وَباطِناً.
وَنَحْنُ نَبْرَأُ إِلى اللَّهِ تَعالى مِمَّنْ خالَفَ الَّذي ذكَرْناهُ، وَبَيَّناهُ.
وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعالى أَنْ يُثَبِّتَنا عَلَيْهِ وَيَخْتِمَ لَنا بهِ، وَيَعْصِمَنا مِنَ الأَهْواءِ المُخْتَلِطَةِ وَالآراءِ المُتَفَرِّقَةِ، وَالمَذاهِبِ الرَّدِيَّةِ، كَالمُشَبِّهَةِ وَالجَهْمِيَّةِ وَالجَبْرِيَّةِ وَالقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ خالَفَ السُّنَّةَ وَالجَماعَةَ، وَاتَّبَعَ البدْعَةَ وَالضَّلالَةَ، وَنَحْنُ مِنْهُمْ بَراءٌ، وَهُمْ عِنْدَنا ضُلاَّلٌ وَأَرْدِياءُ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصَّوابِ، وَإِلَيْهِ المَرْجعُ وَالمَآبُ.

تمت وبالخير عمت

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matoury25.ahlamountada.com
العروابي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 158
نقاط : 2899
تاريخ التسجيل : 16/01/2010
الموقع : ام هجيليجة

مُساهمةموضوع: رد: متن العقيدة الطحاوية   مايو 30th 2010, 20:31

هذا شرح العقيدة الطحاوية للأستاذ العلامة أبي الفداء سعيد فودة حفظه الله تعالى

الحمد لله رب العالمين، قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الوراق الطحاوي-بمصر- رحمه الله:
هذا([1]) ذكر([2]) بيان([3])
عقيدة([4])
أهل السنة والجماعة([5])
على مذهب([6])
فقهاء أهل الملة([7]) أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول([8]) الدين،
ويدينون به ربَّ([9]) العالمين معتقدين بتوفيق الله:
إن الله([10]) واحد لا شريك ([11]) له.
ولا شيء يعجزه([12])
ولا إله غيره([13])
قديم ([14])بلا ابتداء.
دائم ([15])بلا انتهاء.
لا يفنى ولا يبيد([16])
ولا يكون([17]) إلا ما يريد.
لا تبلغه الأوهام([18])
ولا تدركه([19]) الأفهام([20])
ولا يشبه الأنام([21])
حي لا يموت، قيوم([22]) لا ينام
خالق بلا حاجة([23])،
رازق بلا مؤنة([24])، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة([25])
ما زال بصفاته قديما قبل خلقه([26])
لم يزدد بكونهم([27]) شيئا لم يكن قبلهم من صفته.
وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا([28])
ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري([29])
له معنى الربوبية ولا مربوب([30])،
ومعنى الخالق ولا مخلوق([31])
وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم([32])
ذلك بأنه على كل شيء قدير([33])، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير.
لا يحتاج إلى شيء([34])
(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ([35])
خلق الخلق بعلمه([36])،
وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا، ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم.
أمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا، وكلهم متقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله.
وهو متعال عن الأضداد([37]) والأنداد([38])، لا رادَّ لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله وأيقنَّا أن كلا من عنده.
وأن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى([39])
وأنه خاتم الأنبياء([40])، وإمام الأتقياء.
وسيد المرسلين([41])، وحبيب رب العالمين.
وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى([42])وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء.
وإن القرآن كلام الله([43])،
منه بدا([44])
بلا كيفية([45]) قولا([46])،
وأنزله على رسوله وحيا([47])
وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية([48])
فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى (سأصليه سقر) فلما أوعد الله بسقر لمن قال (إن هذا إلا قول البشر) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر([49])
ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر([50])
فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.([51])
والرؤية([52]) حق لأهل الجنة([53])
بغير إحاطة ولا كيفية([54])
كما نطق به كتاب ربنا(وجوه يومئذ ناضرة[22] إلى ربها ناظرة[23]) ([55])وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّم لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه([56])
ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا تائها، شاكا لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا.
ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم([57])، أو تأولها بفهم([58])، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زلّ ولم يصب التنزيه، فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية([59])
وتعالى([60]) الله عن الحدود والغايات([61])
والأركان والأعضاء والأدوات([62])
لا تحويه الجهات([63]) الست ([64])
كسائر المبتدعات([65])
والمعراج حق([66])، وقد أُسري([67]) بالنبي صلى الله عليه وسلم بشخصه([68]) في اليقظة إلى السماء([69])، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى(ما كذب الفؤاد ما رأى) فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى([70])
والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته حق([71])
والشفاعة([72]) التي ادخرها لهم
حق([73])، كما روي في الأخبار([74]).
والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق([75]).
وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه.
وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له([76])،
والأعمال بالخواتيم([77])، والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله([78]).
وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة للخذلان، وسلم للحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرا وفكرا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه )لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلون(. فمن سأل لم فعل فقد ردَّ حكم الكتاب ومن ردَّ حكم الكتاب كان من الكافرين([79]).
فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم، لأن العلم علمان، علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود.فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود.
ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم([80])، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنا لم يقدروا عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.
وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض ولا معقب، ولا مزيل ولا مغير. ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه، وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وبربوبيته، كما قال تعالى في كتابه(وخلق كل شيء فقدره تقديرا)[الفرقان:2]، وقال تعالى(وكان أمر الله قدرا مقدورا)[الأحزاب:38].
فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفاكا أثيما.
والعرش([81])
والكرسي([82]) حق، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه.
ونقول إن الله اتخذ إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما([83])، إيمانا وتصديقا وتسليما.
ونؤمن بالنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين.
ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام معترفين، وله بكل ما قال وأخبر مصدقين غير مكذبين([84]).
ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله تعالى، ولا نجادل في القرآن ونعلم أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين فعلمه سيد المرسلين محمدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وكلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين.
ولا نقول بخلق القرآن ولا نخالف جماعة المسلمين.
ولا نقول لا يضر مع الإسلام ذنب لمن عمله([85]).
ونرجو للمحسنين من المؤمنين، ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم وسبيل الحق عليهم ولا نقنطهم والأمن والإياس ينقلان عن الملة، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة([86]).
ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه([87]).
والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان([88]) وأن جميع ما أنزل الله في القرآن وجميع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الشرع والبيان كله حق.
والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالتقوى ومخالفة الهوى.
والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم وأطوعهم وأتبعهم للقرآن([89]).
والإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره حلوه ومره من الله تعالى.
ونحن مؤمنون بذلك كله، ولا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به.
وأهل الكبائر من أمة محمد r في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين([90])، وهم في مشيئة الله وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما قال الله تعالى في كتابه العزيز)إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء( ([91]) وإن شاء عذبهم بقدر جنايتهم بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثه إلى جنته، وذلك بأن الله مولى أهل المعرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هديته ولم ينالوا من ولايته([92]).
اللهم يا وليَّ الإسلام وأهله مَسِّكنا بالإسلام حتى نلقاك به.
ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة([93])، ونصلي على من مات منهم، ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا شرك ولا نفاق ما لم يظهر منهم من ذلك شيء، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى.
ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد r إلا من وجب عليه السيف([94]).
ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا([95]) ولا ندعو على أحد منهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة UQ فريضة ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والنجاح والمعافاة([96]).
ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة، ونحب أهل العدل والأمانة ونبغض أهل الجور والخيانة.
ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه([97]).
ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر، كما جاء في الأثر([98]).
والحج والجهاد فرضان ماضيان مع أولي الأمر من أئمة المسلمين برهم وفاجرهم لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما([99]).
ونؤمن بالكرام الكاتبين وأن الله قد جعلهم حافظين([100]).
ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين([101]).
وبعذاب القبر لمن كان له أهلا وبسؤال منكر ونكير للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله r وعن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين([102]).
والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار([103]).
ونؤمن بالبعث وبجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط([104]).
والميزان يوزن به أعمال المؤمنين من الخير والشرِّ والطاعة والمعصية([105]).
والجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان ولا يبيدان.
وإن الله خلق الجنة والنار وخلق لهما أهلا، فمن شاء إلى الجنة أدخله فضلا منه ومن شاء منهم إلى النار أدخله عدلا منه. وكل يعمل لما قد فرغ منه وصائر إلى ما خلق له. والخير والشر مقدران على العباد.
والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به فهي مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب وهو كما قال الله تعالى(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
وأفعال العباد خلق لله وكسب من العباد([106]).
ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون ولا يطيقون إلا ما كلفهم([107])، وهو تفسير (لا حول ولا قوة إلا بالله) نقول لا حيلة لأحد ولا حركة ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله.
وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدا(تقدس عن كل سوء وحَيْنٍ([108])، وتنزه عن كل عيب وشين)(لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)([109]).
وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات([110]).
والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات([111])، ويملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحَيْنِ([112]).
والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى.
ونحب أصحاب رسول الله صلى الله علي وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
ونثبت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون.
وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله الحق وهم: أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد، وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، رضي الله عنهم أجمعين.
ومَنْ أَحْسَنَ القولَ في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسي من كل رجس، فقد برئ من النفاق.
وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يُذْكَرُونَ إلا بالجميل ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل.
ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء عليهم السلام، ونقول نبي واحد أفضل من جميع الأولياء.
ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم.
ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ([113])ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض من موضعها([114]).
ولا نصدق كاهنا ولا عرافا([115])، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ونرى الجماعة حقا وصوابا والفُرقة زيغا وعذابا، ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تاعلى(إن الدين عند الله الإسلام) وقال تعالى(ورضيت لكم الإسلام دينا) وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن واليأس، فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن برءاء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه.
ونسأل الله تعالى أن يثيبنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية مثل المشبهة والمعتزلة والجهمية والجبرية والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم برءاء وهم عندنا ضلال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق.
*******************************************************
([1]) يشير رحمه الله تعالى بقوله هذا إلى ما وقر في قلبه من اعتقاد راسخ، فكل ما سيذكره على القرطاس فهو حاضر في قلبه وعقله، فالإشارة إنما تكون إلى ذلك. ولذلك قال بعض العلماء المحققين إن الإشارة قد تكون إلى موجود في الخارج، أو موجود في الذهن. فالذي أشار إليه الإمام الطحاوي موجود في عقله ونفسه. هذا ويجوز أن يكون الإمام الطحاوي قد كتب هذه المقدمة بعد كتابته وتقريره جملة العقائد المسطورة، فلذلك أشار إليها بقوله هذا، وهذا الاحتمال وإن كان جائزا عقلا إلا إنه ليس موافقا لما كان عليه الإمام الطحاوي من عظيم المكانة، وكبير العلم، ومن كان كذلك فإنما يناسبه القول بأن العقائد حاضرة في نفسه كما قلناه قبلا.
([2]) الذكر قد يكون لسانيا وقد يكون قلبيا ونفسيا. والإشارة قد تكون إلى ما هو موجود خارجا وقد تكون إلى ما هو موجود في النفس. والذكر إذا قصد به اللساني فالأرجح أن تكون الإشارة خارجية، ويجوز أن تكون قلبية بتنزيل ما هو في القلب في الخارج، وعلى هذا فالإشارة الخارجية إلى ما هو في النفس تكون مجازا باعتبار وجوده في الخارج. وإن كانت الإشارة إلى ما هو في النفس فالمراد بالذكر النفسي.
وعلى كل الأحوال فالمستفاد من ذلك كله وجوب أن يكون المذكور مشارا إليه، والإشارة كما هو معلوم لا تتعلق إلا بما هو معلوم موكّد ويقيني، فالواجب أن تكون هذه العقائد معلومة ويقينية إذن.
([3]) قوله "بيان" يعني تفصيل، لأن البيان لا يكون مجملا، والمجمل هنا بمعنى الكلام الذي لا يعرف مدلوله، أو الكلام الذي لا يكفي لبناء العمل من نفي وإثبات عليه، فهو يحتاج إلى غيره لبيانه. فما يذكره الإمام الطحاوي هنا هو بيان بمعنى أنه يكفي المرء إذا اعتقده، فما نفاه فهو منفي، وما أثبته فهو مثبت. ولا يجوز أن يقول قائل إن ما أطلق الإمام الطحاوي نفيه فربما يكون ثابتا من وجه، أي إن ما ينفيه الطحاوي بإطلاق لا يجوز نفيه بإطلاق، بل يجب فيه التفصيل وبيان المعاني المحتملة فيه، فما كان منه مقبولا فقبل وما كان منها منفيا فينفى. هذا القول وهذه الطريقة لا يجوز أن تقال هنا، لأن هذا ينافي البيان أي التفصيل الذي يصف الطحاوي فيه عقيدته. وهذا الكلام يشكل اعتراضا عليه من القائ به، لا شرحا لكتابه. فافهم.
([4]) العقيدة هي ما يعتقد لذاته، والعقد هو الربط، فالنفس تكون مربوطة بهذه العقائد ربطا أكيدا لا انفكاك له ولا انحلال. وهذا الربط يكون منظورا إلى حصوله لذاته لا من حيث كونه شرطا للعمل فقط. بل ولو لم يكن العمل واجبا، فإن العقيدة مطلوبة. فالعقيدة هي الأساس.
قال العلامة العضد في المواقف مع الشرح للشريف الجرجاني(1/38):"(والمراد بالعقائد ما يقصد به نفس الاعتقاد دون العمل)فإن الأحكام المأخوذة من الشرع قسمان، أحدهما: ما يقصد به نفس الاعتقاد كقولنا الله تعالى عالم قادر سميع بصير، وهذه تسمى اعتقادية وأصلية وعقائد، وقد دوِّن علم الكلام لحفظها. والثاني ما يقصد به العمل كقولنا الوتر واجب والزكاة فريضة وهذه تسمى عملية وفرعية وأحكاما ظاهرية، وقد دون علم الفقه لها."اهـ
ففي هذه الفقرة يوضح السيد الشريف غاية علم الكلام ومفهوم العقائد. وقد نص على ذلك غيره من المحققين.
وقد يفهم بعض الناس من ذلك أن العقائد لا ينبني عليها العمل، وهذا الفهم باطل، بل إن العمل لا يصح إلا عليها، ولكن المفهوم مما قلناه هو أن العقائد مقصودة لذاتها وإن لم يرِد المعتقد أن يعمل الواجبات الشرعية، فعدم فعله لذلك لا يعفيه من لزوم اعتقاد للعقائد الإيمانية. فهذا هو المقصود من قولهم أن العقائد مقصودة لذاتها.
([5]) أهل معناها أصحاب. والسنة هي ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام من أقوال وأفعال وتقريرات ويتضمن ذلك ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من عقائد، أصلية وفرعية. والجماعة هم أصحاب الرسول عليه السلام الذين ماتوا ولم يخالفوا ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمقصود بأهل السنة والجماعة هم الذين نصروا السنة واتبعوا الجماعة، فيما مرَّ. ولهذا سموا بأهل السنة والجماعة.
والذي عليه العلماء أن أهل السنة ليسوا مجسمة ولا مشبهة، ولا يدخل مجسم ولا مشبه في أهل السنة. ولذلك فإن كثيرا من الحنابلة لا يدخلون في أهل السنة، وكذلك الكرامية فهم قطعا ليسوا من أهل السنة، بل إن بعض فرق الحنابلة أولى بالخروج من أهل السنة من فرق الكرامية. واعلم أن الحنابلة أيضا افترقوا إلى فرق عديدة في ذات الله تعالى، فمنهم المنزهون مثل الإمام أحمد بن حنبل والإمام ابن عقيل والإمام ابن الجوزي وكثير من المتأخرين، ومنهم مجسمة كأمثال القاضي أبي يعلى وابن قدامة المقدسي وابن الزاغوني وابن تيمية وابن قيم الجوزية، ويمكن أن يُدرَج معهم ابن كثير والذهبي مع أنهما ليسا من الحنابلة في الفقه، وتجد كلامهم غير صريح في التجسيم ولكن الخبير يعرف مرادهم، وإنما لم يصرحوا بذلك لعدم تمكنهم في هذا الباب، وأيضا لاختلاطهم بكبار علماء السادة الأشاعرة أهل السنة.
وأما المالكية فقليل منهم مجسم، وكذلك الأحناف ولكن يوجد في هؤلاء معتزلة، وأما الشافعية فيوجد فيهم معتزلة ومجسمة، ولكن نسبتهم قليلة محصورة، وغالبهم من أهل السنة الأشاعرة، ولله الحمد.
وقد يسألى بعض الناس فيقولون: ومتى بدأت طائفة أهل السنة في الظهور، والتحقيق في الجواب أن أهل السنة موجودون منذ كان الرسول عليه السلام موجودا، بل إنهم موجودون منذ ظهور الإسلام، لأنهم هم القائلون بالعقائد الصحيحة، والفهم التام للدين. هذا من حيث الحقيقة وأما التسمية فككل التسميات فإنها ظهرت بهذا الوضح متأخرة، في زمان التابعين. والله تعالى أعلم.
([6]) المذهب اسم مكان في الأصل من ذهَبَ يذهَبُ ذهابا ومذهبا، ثم استعير للطريقة الطريقة التي تحتوي على الأدلة والأساليب في تقرير المفاهيم. فالإمام أبو حنيفة له طريقة خاصة في تقرير وتدعيم العقائد والفقه وفي بيانها لعامة الناس. فالإمام الطحاوي ينص هنا على أنه يسير في توضيح العقائد على الطريقة التي اتبعها الإمام أبو حنيفة وصاحباه اللذان سماهما.
واعلم أن الإمام أبا حنيفة له طريقة خاصة، لا يستلزم أن له عقائد مختلفة كليا عن غيره من أئمة أهل السنة، بل يعني أنه ربما يخالفهم في بعض الأساليب وربما بعض الأحكام، كما سوف نوضحه في موضعه أثناء تعليقنا على هذا المتن الجليل.
أما المسائل الأصول فلا يوجد خلاف فيها بين أبي حنيفة وبين غيره من أئمة السنة، ولله تعالى الحمد. فتوجد طرق أخرى لتوضيح العقائد عند أهل السنة غير طريقة الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وذلك مثل طريقة الإمام أبي الحسن الأشعري، والحارث المحاسبي، وعبدالله بن أبي كلاب، وغيرهم كثير، وهؤلاء بحمد الله لم يختلفوا في أصول، بل كان جل اختلافاتهم في بعض فروع العقائد.
([7]) الملة هنا بمعنى الدين. فهولاء الفقهاء الذين سماهم الإمام الطحاوي من أعظم فقهاء الدين. ولا يعني ذلك أنه لا يوجد غيرهم فقيه، بل هؤلاء هم الذين اتبع الطحاوي طريقتهم في ذلك.
([8]) الأصول جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرع عنه غيره. وأصول الدين اعتاد العلماء أن يطلقوا هذا الاسم على العقائد، سواءا ما كان منها ثابتا على سبيل القطع أم على سبيل الظن، أقصد ما لم يحتمل الخلاف فيه وما احتمله. وعلى هذا الاصطلاح مشى الإمام أبو جعفر الطحاوي، فإنه يقصد بمسائل الأصول المسائل العقائدية، كما تراها أيها القارئ في هذا المتن. وأنت تعلم أن من هذه المسائل ما جرى فيه الخلاف بين أهل السنة، كما سنعلمك في محله.
فالطحاوي يقصد بالأصول الدينية ما كان منها مطلوبا الاعتقاد به لذاته، كما سردناه لك، وهو مصطلح العقائد، ولم يفرق بين ما كان منه يحتمل الخلاف وما لم يحتمله. ولم يفرق كذلك بين ما كفر مخالفه وما لم يكفر، فلم يجعل التكفير قيدا لمسائل الأصول، وعدم التكفير قيدا لمسائل الفروع، بل اعتبر الفروع هي المسائل العملية مطلقا، والأصول هي المسائل العقائدية.
فأصول الدين إذن عند الإمام الطحاوي ترادف العقائد والفروع ترادف العمليات.
ولكن يشكل على إدراجه مسألة المسح على الخفين وغيرها في هذا المتن ولا خلاف في أن هذه المسائل من مسائل الفروع. فالجواب:إنه لاحظ في إدراجه هذه المسائل في هذا المتن جانب وجوب الاعتقاد بجواز المسح، لا جواز العمل بالمسح. ومعلوم أن الأول يكفر من يخالفه، باعتبار أن الدليل القطعي قائم عليه، وأما الجانب الثاني فلا يكفر من لا يعمل به، لكونه من الفروع مطلقا. وبذلك يجاب على غيرها من المسائل.والله تعالى أعلم.
ويمكن أن يقال إن مصطلح الأصول يدخل فيه كل ما كان مقطوعا به، لا يحتمل الخلاف، أو أن الخلاف فيه لا يلتفت إليه لابتنائه على مجرد شبهة، وأما الفروع فبخلافه. وعلى هذا فإدخال الطحاوي مسألة الخف جائز ومطرد مع هذا الاصطلاح. فتأمل.
ويمكن أن تقول إن مصطلح الأصول إذا أطلق يدخل فيه أصول العقائد، وأصول الفقه، أي المسائل الأصول من الفقه. وعلى هذا فإذا قيل "أصول الدين" فباعتبار أن الدين شامل للعقائد والفقه، فإنه يدخل فيه الأصليات من العلمين.وبالتالي فيجوز إدراجهما في فن واحد.
([9]) الرب: معناه في اللغة كما نقله الإمام الطبري في تفسيره (1/47):"وأما تأويل قوله رب فإن الرب في كلام العرب متصرف على معان، فالسيد المطاع فيهم يدعى ربا، ومن ذلك قول لبيد بن ربيعة
وأهلكن يوما ربَّ كندة وابنه ورب معد بين خبت وعرعر
يعني رب كندة سيد كندة، ومنه قول نابغة بني ذبيان
تخب إلى النعمان حتى تناله فدى لك من رب تليدي وطارفي
والرجل المصلح للشيء يدعى ربا، ومنه قول الفرزدق بن غالب
كانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت سلاءها في أديم غير مربوب
يعني بذلك في أديم غير مصلح. ومن ذلك قيل: إن فلانا يرب صنيعته عند فلان إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها.
ثم قال: والمالك للشيء يدعى ربه.
وقد يتصرف أيضا في وجوه غير ذلك غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة."اهـ
إذن، يتحصل من ذلك أن المعاني الثلاثة لكلمة الرب في اللغة هي السيد المطاع، والمصلح للشيء،والمالك للشيء. وهي الثلاثة التي ذكرها الإمام الطبري في تفسيره.
وبناء على نفس المعاني قال الإمام العلامة البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشيخ زادة(1/32)أيضا:" الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا ثم وُصِفَ به للمبالغة، كالصوم والعدل. وقيل هو نعت من رَبَّه يَرَبُّـه فهو ربٌّ، كقول نمَّ ينُمُّ فهو نَمٌّ. ثم سمي به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه."اهـ
وقال الشيخ زاده في حاشيته(1/32): "قال الجوهري رب فلان ولده يربُّه ربا ورببه تربيبا بمعنى رباه تربية المربوب والمربي. والمصدر وإن كان معنى حقه أن لا يطلق على الذات إلا أنه أطلق ههنا على الذات بقصد المبالغة في اتصافه به، مثل رجل صوم ورجل عدل أي صائم وعادل."اهـ
ولو تأملنا في هذه المعاني الثلاثة المذكورة أعلاه لرأينا أنها ترجع إلى أصل واحد، وهو نسبة التصرف المطلق الذي لا يقيده قيد إلى الله تعالى وحده في تدبير شؤون العالمين.وأنت تعلم أن هذا المعنى لا يجوز نسبته إلى غير الله تعالى.
والمشركون لم يكونوا ينسبون إلى الله تعالى وحده هذا المعنى، بل كانوا يشركون معه غيره. والدليل على ذلك ما قاله تعالى في سورة الزمر [ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3)]، ففي هذه الآية يبين الله تعالى أن المشركين قد عبدوا غيره، ونسبوا إلى غير الله فعلا من الأفعال، وهو التقريب إلى الله. فهذان أمران اثنان لا يجوز نسبتهما إلا إلى الله تعالى. والمشركون قد نسبوهما إلى غير الله تعالى.فكانوا بذلك من المشركين. فإن حاصل معنى الآية:إن المشركين يقرون أنهم عبدوا غير الله تعالى، ولكنهم يدعون أنهم ما فعلوا ذلك إلا ليقربهم هؤلاء إليه تعالى. فانظر تعقيب الله تعالى على قولهم:فإنه سبحانه وتعالى قد كذبهم في دعواهم، وحكم عليهم بالكفر لفعلهم.
وقال العلامة الحلبي في سيرته(1/10) أثناء كلامه عن عمرو بن لحيّ أنه:"أول من أدخل الشرك في التلبية فإنه كان يلبى بتلبية إبراهيم الخليل عليه الصلاة السلام وهي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، فعند ذلك تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه فلما قال عمرو لبيك لا شريك لك قال له ذلك الشيخ إلا شريكا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، فقال له ذلك الشيخ تملكه وما ملك، وهذا لا بأس به. فقال ذلك عمرو، فتبعته العرب على ذلك. أي فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده . قال تعالى توبيخا لهم (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)."اهـ
في سورة آل عمران، قال الله تعالى [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64)]
قال أبو الليث السمرقندي في تفسيره المسمى ببحر العلوم(1/275):"[ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله] لأنهم عبدوا عيسى ربا من دون الله، ويقال لا يطيع بعضنا بعضا في المعصية كما قال:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" أي أطاعوهم في المعصية، ويقال لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا كما قالت النصارى إن الله ثالث ثلاثة."اهـ
وفي سورة آل عمران [ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون(79)ولا يأمرَكم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (80)]
قال السمرقندي(1/180) ربانيين أي متعبدين،وأربابا يعني عيسى وعزيرا والملائكة صلوات الله عليهم، ولو أمركم بذلك لكفر، وتنزع النبوة منه.
وفي سورة التوبة [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29) وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون (30)اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31)]
وروى الإمام الترمذي حدثنا الحسين بن يزيد الكوفي حدثنا عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح عنك هذا الوثن وسمعته يقرأ في سورة براءة { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه قال أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث
وروى الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل وابن الأصبهاني ح وحدثنا أبو حصين القاضي ثنا يحيى الحماني قالوا ثنا عبد السلام بن حرب أنا غطيف بن أعين من أهل الجزيرة عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } حتى فرغ منها فقلت انا لسنا نعبدهم فقال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه قلت بلى قال فتلك عبادتهم
ورواه الإمام البيهقي في سننه الكبرى فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل وابن الأصبهاني ح وحدثنا أبو حصين القاضي ثنا يحيى الحماني قالوا ثنا عبد السلام بن حرب أنا غطيف بن أعين من أهل الجزيرة عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } حتى فرغ منها فقلت انا لسنا نعبدهم فقال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه قلت بلى قال فتلك عبادتهم.
وروى الإمام البيهقي أيضا في سننه الكبرى قال: حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل وابن الأصبهاني ح وحدثنا أبو حصين القاضي ثنا يحيى الحماني قالوا ثنا عبد السلام بن حرب أنا غطيف بن أعين من أهل الجزيرة عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } حتى فرغ منها فقلت انا لسنا نعبدهم فقال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتستحلونه قلت بلى قال فتلك عبادتهم.
فتوحيد الربوبية إذن أعم من أن يكون مجرد الدعاء، أو مجرد أن يعتقد الواحد بأن الله خالق لهذا العالم، ولو من دون الاعتقاد بأنه مدبره حقيقة على الدوام، أي إن من اعتقد أن الله هو الذي خلق العالم، ثم اعتقد مع ذلك أن غير الله تعالى له تصرف في تدبير شؤون الكون، فإن هذا ليس محققا لتوحيد الربوبية على الإطلاق. وإلا لكان كثير من المشركين موحدين للربوبية. وهذا باطل مطلقا، لما مضى من الأدلة الدالة على أن الربوبية أعم من مجرد ذلك التصور.
ويتحصل من هذا أيضا غلط ابن باز الهائل في تعليقاته على العقيدة الطحاوية عندما قال في أقسام التوحيد:"القسم الأول: توحيد الربوبية وهو توحيد الله بأفعاله سبحانه، وهو الإيمان بأنه الخالق الرازق المدبر لأمور خلقه المتصرف في شئونهم في الدنيا والآخرة لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى(الله خالق كل شيء)،وقال سبحانه(إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر)الآية. وهذا النوع قد أقر به المشركون عباد الأوثان وإن جحد أكثرهم البعث الونشور، ولم يدخلهم في الإسلام لشركهم بالله في العبادةوعبادتهم الأصنام والأوثان معهه سبحانه، وعدم إيمانهم بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم."اهـ
فقوله بأن المشركين قد حققوا هذا النوع من التوحيد، باطل لا شك فيه كما رأينا بالأدلة السابقة، فهم كانوا مشركين في توحيد الربوبية، ولذلك كانوا مشركين في توحيد الإلهية أي العبادة على حد تعبيره، لأن هذين النوعين راجعين إلى أمر واحد على ما هو التحقيق، وكما سترى. فيستحيل أن يكون واحد موحدا توحيد ربوبية ومشركا في العبادة. وما هذا إلا وهما توهمه هؤلاء الوهابيون ثم صدقوا به.
فائدة في معنى كلمة الإله، وأنه لا فرق بين الألوهية والربوبية:
قال الله تعالى في سورة الأعراف:[وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172)]
وقال تعالى في سورة الأنعام:[ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين (74) وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين (75) فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون (80) وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81)]
وقال تعالى في سورة الأنبياء يحكي قصة سيدنا إبراهيم مع قومه:[ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56)]
وقال تعالى في سورة الشعراء:[ فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فَعلَتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبَّدتَّ بني إسرائيل (22) قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29)]
ثم قال تعالى في آخر القصة:[ فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقي السحرة ساجدين (46) قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49)]
وقال تعالى في سورة القصص:[ وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين (38)]
وقال تعالى في سورة النازعات:[ هل أتاك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى (16) اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) فأراه الآية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الأعلى (24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى (25) إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (26)]
وقال تعالى في سورة الأنعام:[ قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين (163) قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164)]
وقال تعالى في سورة الأعراف:[ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172)].
قال العلامة القضاعي ص89:"فأول ما خاطب الله الأرواح قال:ألست بربكم، واكتغى منهم بالإقرار بوحدانيته في الربوبية، وأول ما تسأل الموتى في قبورها من ربك، واكتفى منهم بالإقرار بأنه ربهم."اهـ
وأيضا فإن حديث سؤال الملكين في القبر مشهور فإنهما يقولان للميت:من ربك؟ ولا يقولان من إلهك؟ فإذا أجابهما :الله ربي. اكتفيا منه في التوحيد بهذا الجواب ولم يقولا له هذا توحيد الربوبية وهو لا ينجيك.
واعلم أن نفس اللوازم التي تترتب على صفة الربوبية تترتب على صفة الألوهية أيضا، وذلك لأنهما متلازمتان، قال الله تعالى في سورة المؤمنون:[ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91)] فرتب على تعدد الآلهة العلو والاختلاف، والاستقلال في التدبير والسلطان. وكذلك قال الله تعالى في سورة الأنبياء:[ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22)]، فرتب الله تعالى وقوع الاختلاف وفساد الكون على مجرد وجود أكثر من إله، وهذا يعني أن الإله هو المدبر، وقد بينا فيما سبق أن الرب هو المدبر أيضا، فإذن يتحصل أن من اعتقد بوجود آلهة غير الله، فإنه يعتقد بوجود أرباب غير الله تعالى فيستحيل أن يكون موحدا توحيد ربوبية كما يزعم بعض الجهلة.
هذه بعض الأدلة التي تدل على عدم الانفكاك بين الربوبية والألوهية، واستحالة أن يؤمن واحد بأن الله هو الرب وحده ومع ذلك يعبد غيره، كما زعمت طائفة الوهابية في هذا الزمان، وكما مر قسم من كلام أحد زعمائهم وهو ابن باز مفتي المملكة العربية السعودية، وقال أيضا في تعليقاته على متن الطحاوية:"القسم الثاني توحيد العبادة، ويسمى توحيد الألوهية وهي العبادة، وهذا القسم هو الذي أنكره المشركون فيما ذكره الله عنهم سبحانه بقوله (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب.أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشسء عجاب) وأمثالها كثير. وهذا القسم يتضمن إخلاص العبادة لله وحده، والإيمان بأنه المستحق لها، وأن عبادة ما سواه باطلة، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله كما قال الله عز وجلذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل).اهـ
كذا قال، والحقيقة أن ما ذكره من آيات هي تدل على خلاف ما يريد إثباته، فإن الله تعالى نسب إلى الكفار أنهم يعتقدون بمجموعة من الآلهة، لا بإله واحد، فهم يجمعون الآلهة، ولا يوحدونها، ولا يتأتى منهم الجمع إلا بعد إيمانهم بالتماثل، وكذلك فإنهم أطلقوا على كل واحد من هذه المعبودات أنه إله، وهذا يعني أن له نفس خصائص الإله الآخر، وهذا هو عين الكفر والئرك في الربوبية. وأما الآية الأخرى التي استشهد بها فهي أيضا عليه لا له، فإن الله تعالى يحكم على ما يدعوه هؤلاء المشركون بالبطلان، والبطلان هنا يعني أنه غير موجود، أو أن الحكم الذي ينسبونه إليه باطل، أي القول بأنه إله، وهذا النفي يستلزم أنهم كانوا يثبتون أنه إله، وقد مرَّ بيان معنى الإله. وليس المراد بطلان عبادتهم فقط، بل إن بطلانها سببه بطلان إلهية ما يدعونه.
وبهذا يتبين لك أيها القارئ أن جميع ما يستدل به هؤلاء معكوس عليهم وهو حجة عليهم لا لهم، وأن الأدلة القاطعة قد قامت على بطلان تفريقهم بين الأمرين، وأن قولهم بأن المشركين كانوا موحدين توحيد ربوبية إنما هو قول باطل، لا أساس له في الدين.
فائدة أخرى في توحيد الأسماء والصفات:
أما النوع الثالث من أنواع التوحيد الذي يقول به طائفة الوهابية فهو ما يسمى عندهم بتوحيد الأسماء والصفات، وهو عندهم كما وضحه ابن باز أيضا:"الإيمان بكل ما ورد في كتاب الله العزيز وفي السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسماء الله وصفاته وإثباتها لله سبحانه على الوجه الذي يليق به من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل..الخ".اهـ. وحاصل هذا النوع من التوحيد عندهم، هو إثبات بعض الصفات والأسماء الواردة إضافتها إلى الله تعالى بنفس معانيها اللغوية الحقيقية إلى الله تعالى، وهذا هو عين التشبيه والتمثيل وإن كانوا يفرون منه في اللفظ. فهم قائلون به معنى، وسوف نبرهن على صحة قولنا هذا في أثناء شرحنا وتعليقنا على كلام الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى.
([10]) كلمة الله تدل على الواجب الوجود، المنفرد بالكمال، المحتاج إليه كل ما عداه، المستغني عن كل ما سواه. وهي لا تطلق إلا على الله الواحد. وقولنا الله لا شريك له تدل حقيقتها على نفي كل ما سوى الله تعالى من الآلهة المدعاة، والأرباب المفتراة. ولا نحتاج بناء على المعنى المذكور لكلمة الله إلى أي تقدير لكي يتم المعنى المراد.
([11]) الواحد إنما يكون شريكا لمن يكون له مضارعا، وأما من لا شبيه له، فيلزم أن لا يكون له شريك قطعا، لأن الشراكة تستلزم انقسام الملك وعدم التمكن من التصرف فيه إلا بإذن الآخر، وهذا باطل لا يجوز في حق الله تعالى، لما ثبت من كونه هو الملك لا ملك سواه. ولما ثبت من عدم إمكان وجود مالك غيره، لأن المالك يجب أن يكون مستقلا في ملكه، والمستقل في ملكه يجب كونه مستقلا في وجوده، ولا مستقل في الوجود إلا الله عز شأنه، فكيف يكون له شريك؟
([12]) العجز في اللغة كما ذكره الدكتور فضل عباس في كتابه المفيد إعجاز القرآن الكريم ص16 تدل على مؤخر الشيء، وعلى التقصير عن بلوغ المراد.اهـ فيصير معنى كلام المصنف أن الله لا يمنعه عن تحقيق مراده شيء مطلقا. وتنبه إلى أن المانع للواحد عن تحقيق مراده لا بد أن يكون ممانعا له، أي لا بد أن يكون له إرادة مستقلة عن إرادة الممنوع، وكذلك لا بد أن يكون للمانع قدرة مستقلة عن قدرة الممنوع، فبغير ذلك، يستحيل أن يحصل الإعجاز. ولا يتحقق هذا الوصف أي قولنا"ولا شيء يعجزه إلا في الله تعالى.
([13]) من التوضيحات السابقة لمعنى كلمة الإله يصبح معنى هذه العبارة مفهوما وبينا. فالله تعالى لا إله غيره بالفعل.
([14]) القديم مشتق من القِدَمِ، والمراد بالقدم في اصطلاح علماء هذا الفن، هو عدم الأولية. وليس المراد به هو الوجود منذ أزمان لا بداية لها. وقد ورد هذا الوصف في حق الله تعالى وصفاته فقد قال الإمام أبو داود رحمه الله تعالى حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح قال لقيت عقبة بن مسلم فقلت له بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال أقط قلت نعم قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم. وهذا الحديث جميع رواته ثقات. فهو لا ينزل عن مرتبة الحسن مطلقا. وتأمل كيف وصف النبي صلى الله عليه وسلم السلطان الذي هو صفة لله تعالى بكونه قديما. فيجوز إذن أن يوصف الله تعالى بكونه قديما، لأن وصف وصفه وصف له جل شأنه.
وقد روى الحاكم حديثا فيه اسم القديم أيضا فقال في مستدركه: حدثناه أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان ثنا الأمير أبو الهيثم خالد بن أحمد الذهلي بهمدان ثنا أبو أسد عبد الله بن محمد البلخي ثنا خالد بن مخلد القطواني حدثناه محمد بن صالح بن هانئ وأبو بكر بن عبد الله قالا ثنا الح

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matoury25.ahlamountada.com
العروابي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 158
نقاط : 2899
تاريخ التسجيل : 16/01/2010
الموقع : ام هجيليجة

مُساهمةموضوع: رد: متن العقيدة الطحاوية   مايو 30th 2010, 20:33

ا{18}البلوغ كما قال العلامة الأصفهاني في مفردات القرآن:"الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكانا كان أو زمانا أو أمرا من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن المشارفة عليه وإن لم ينته إليه"اهـ ، فقول العلامة الإمام الطحاوي بأن الأوهام لا تبلغ اللهَ تعالى، معناه إذن إنها لا تنتهي إليه، ولا تشارف ذلك. والوهم هو الخيال، وهو كما عرفه العلامة الشريف الجرجاني: "هو قوة جسمانية للإنسان محلها آخر التجويف الأوسط من الدماغ، من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات كشجاعة زيد وسخاوته، وهذه القوة هي التي تحكم بها الشاة أن الذئب مهروب عنه وأن الولد معطوف عليه، وهذه القوة حاكمة على القوى الجسمانية كلها مستخدمة إياها استخدام العقل للقوى العقلية بأسرها."اهـ
وقال أيضا:"الوهم هو إدراك المعنى الجزئي المتعلق بالمعنى المحسوس. والوهمي المتخيل هي الصورة التي تخترعها المتخيلة باستعمال الوهم إياها، كصورة الناب، أو المخلب في المنية المشبهة بالسبع. والوهميات هي قضايا كاذبة يحكم بها الوهم في أمور غير محسوسة كالحكم بأن ما وراء العالم فضاء لا يتناهى، والقياس المركب منها يسمة سفسطة."اهـ
وقال العلامة الشريف الجرجاني أيضا في تعريف الخيال:"الخيال هو قوة تحفظ ما يدركه الحس المشترك من صور المحسوسات بعد غيبوبة المادة بحيث يشاهدها الحس المشترك كلما التفت إليها، فهو خزانة للحس المشترك، ومحله مؤخر البطن الأول من الدماغ."اهـ
فالخيال إذن هو مساعد للوهم، والوهم هو الحاكم بالاستعانة بالحس، وكل منهما لا يمكن أن يتصرف إلا في الأمور المحسوسة. وهذا هو عين المعنى الذي أراده الإمام الطحاوي من نفيه لبلوغ الوهم لله تعالى، أي إن الوهم لا يمكنه أن يحكم على الله تعالى، بنسبته صورة معينة إليه ولا غير معينة، فإن نفي إدراك الوهم له تعالى مطلق. وهذا كله مبني على أن الحواس لا تدرك الله تعالى، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة التي يتميزون بها عن أهل البدعة من المجسمة، ومن وافقهم. فالله تعالى غير محسوس بشيء من الحواس الظاهرة ولا الباطنة، وأما الرؤية فسوف نوضح لك المراد منها في محله، ولكن هنا نكتفي بأن نقول إن الرؤية المتعلقة بالله تعالى ليس من قبيل الإحساس بالله تعالى عند أهل السنة، فهذا ما يجب أن تؤمن به، ولا يتردد قلبك في الجزم به. فنفينا لكون الحواس متعلقة بالله تعالى لا يستلزم إذن نفي رؤيتنا لله تعالى، لأن الرؤية المتعلقة بالله تعالى عند أهل الحق ليست من قبيل الحواس. فافهم.
واعلم أن الإمام الطحاوي لم ينف تعلق الوهم بالله تعالى على سبيل الخِطابة أو مجرد الوعظ، كما يحلو لبعض الجهلة أن يعتقد. بل إنه أشار بنفي تعلق الوهم بالله تعالى، إلى قاعدة عظيمة لم أر من وضح أهميتها الكبيرة كما سنفعله هنا، هذا مع أن علماء أهل السنة أجمعين قد نصوا على أن الوهم لا يتعلق بالله تعالى. ولكن شراح العقيدة الطحاوية مع معرفتهم وإدراكهم لمدى الخلاف الذي حصل حول هذا المتن في أنه هل هو ماش على قواعد أهل السنة أو على قواعد المجسمة، لم يهتم أحد منهم بإبراز هذا الأمر كما ذكرناه، بل اكتفوا بتقرير هذه القاعدة على ما هو المشهور عند أهل السنة وشرحوا كلام الإمام الطحاوي هنا شرحا إجماليا، والإجمال لا يكفي كما تعلم في محل الإشكال. والحق أن عدم إشارتهم إلى هذه القاعدة لا يعود إلا إلى عدم معرفتهم الحقيقية بقواعد المجسمة، فأغلبهم اكتفى بالتشنيع على المجسمة بذكر بعض المسائل المشهورة التي خالف فيها هؤلاء أهل السنة، وذلك من دون أن يحاولوا تأصيل وبيان قواعد هؤلاء، وتمييزها عن قواعد أهل السنة، ومعلوم أن الواحد إذا بين أن الاختلاف حاصل بين أهل السنة وبين أتباع ابن تيمية المتسترين باتباع السلف كذبا منهم، هو اختلاف واقع في الأصول دون الفروع، ثم بين أن الإمام الطحاوي قد وافق أهل السنة من الأشاعرة وغيرهم في هذه الأصول، فإن هذا يكون هو الأسلوب القوي والناجح في دحر خططهم وإفساد أقوالهم وفضح عقائدهم. وهذا ما سنبينه لك في هذه التعليقات.
ذكر طائفة من أقوال أهل السنة في نفي تعلق الوهم بالله تعالى
أولا: قال الشيخ عَدِيُّ بن مسافر المتوفى في سنة 557هـ، في أوائل عقيدته المسماة "اعتقاد أهل السنة والجماعة"
حرام على العقول أن تمثله وعلى الظنون أن تحده، وعلى الضمائر أن تعمّق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الفكر أن يحيط، وعلى العقول أن تصور إلا ما وصف به ذاته في كتابه أو على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما تمثل في الوهم فهو مقدره قطعا وخالقه."اهـ
فكلامه صريح في أن الوهم لا يتعلق بالله تعالى فلا يمكن للإنسان أن يتوهم ويتصور خالقه.
وقال أيضا في نفس عقيدته المشار إليهاص15:"ولا يتناهى في وجوده على معنى نفي الأوليه، لا جسم مصور ولا جوهر مقدر، معلوم الوجود بالعقول والأفهام، لكن لا تتصوره الأفكار، ولا تمثله الأوهام."اهـ
ففي هذا الكلام أيضا تأكيد صريح آخر لنفي تعلق الوهم بالله تعالى، مكا مضى بيانه. والشيخ عدي بن مسافر من أكابر المشايخ الذين شهد لهم القاصي والداني بالورع والتقوى والعلم الكبير، وكان من أكابر المربين.
ثانيا:وقال تاج الإسلام أبو بكر محمد الكلاباذي المتوفى في سنة 380هـ في كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف، وهو من العلماء المعتمدين لدى جماهير المسلمين لم يقدح أحد في إمامته ورعايته لأمور دينه، وتحققه في العقائد، قال في ص35:
"لا تنازعه الهمم ولا تخالطه الأفكار. ليس لذاته ولا لفعله تكليف، وأجمعوا على أنه لا تدركه العيون، ولا تهجم عليه الظنون، ولا تتغير صفاته، ولا تتبدل أسماؤه، لم يزل كذلك ولا يزال كذلك."اهـ
يقصد بالرؤية بالعيون أي أن يرى في جهة، فهذا ممنوع مستحيل لاستحالة كونه تعالى في جهة. وعبر عن ذلك بعض العلماء باستحالة أن تماقله الأجفان أو العيون، ويريدون بها نفس المعنى من نفي حصول رؤيته في جهة، ولا يريدون بذلك نفي أصل الرؤية. وقد ادعى ابن تيمية فوق ذلك أن الإجماع وقع على رؤية الله تعالى في جهة، فانظر مدى بعد رأيه وفساد قريحته.
وتأمل كيف يصرح الكلاباذي هنا بأن الظنون لا تهجم عليه، ولا تخالطه الأفكار. فهو نفس ما نريد إثباته.
ثالثا: وقال الإمام أبو القاسم القشيري في مقدمة رسالته-ممزوج بشرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري- ص(1/26):-
"(ولا مكان يمسكه ولا زمان يدركه) فهو مستغن عن عرشه ومتنزه عن المكان والزمان (ولا فهم يقدره ولا وهم يصوره) فهو متنزه عن الجوهر والعرض،(تعالى عن أن يقال كيف هو أو أين) هو منزه عن الجسمية والمكان.")اهـ
وعلق العلامة العروسي في حاشيته فقال:")قوله ولا فهم يقدره) أي لقصور العقول الكاملة فضلا عن غيرها عن الإحاطة به تعالى، ومثل ذلك(قوله ولا وهم يصوره) وإيضاحه أن التصوير إنما يمكن في حق من له صورة وكيفيه، والله تعالى منزه عن ذلك."اهـ
رابعا:قال الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته مع شرح شيخ الإسلام زكرياء(1/45):"(أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله قال:سمعت محمد بن محمد بن غالب قال:سمعت أبا نصر أحمد بن سعيد الاسفَنجاني) بفتح الفاء وبالنون(يقول قال الحسين بن منصور) الحلاج مخاطبا خطاب العام(ألزم الكل الحدث)أي احكم بلزوم حدوث جميع الخلق(لأن القدم)ثابت (له) تعالى خاصة لما مر(فالذي بالجسم ظهوره) أي إدراكه(فالعرض يلزمه) لاستحالة خلو الجسم والجوهر عن العرض (والذي بالأداة)أي الأسباب(اجتماعه فقواها يمسكه)أي لو فقدت تفرق، والباء في الموضعين صلة لما بعدها(والذي يؤلفه وقت يفرقه وقت) أي والذي يتألف وقتا يجوز أن يفترق وقتا(والذي يقيمه غيره فالضرورة) أي افتقاره إلى غيره)تمسه (والذي الوهم)أي الذهن(يظفر به)أي يتخيله(فالتصوير يرتقي إليه)…الخ"اهـ.
فتأمل رحمك الله في العبارة الأخيرة كيف ينفي الحلاج بلوغ الوهم والخيال لله تعالى عن ذلك نفيه صريحا لا تردد فيه.
خامسا:قال الشيخ الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته ممزوجة بشرح شيخ الإسلام زكرياء(1/55):"وأخبرنا الشيخ أبو عبدالرحمن السلمي رحمه الله قال سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت هلال بن أحمد يقول سئل أبو علي الروذباري عن التوحيد فقال:التوحيد استقامة القلب بإثبات مفارقة التعطيل وإنكار التشبيه. والتوحيدُ)بالرفع وفي نسخة فالتوحيد(في كلمة) وهي (كل ما صوره الأوهام والأفكار فالله سبحانه بخلافه لقوله تعالى[ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)."اهـ
وهذه الكلمة التي ذكرها الشيخ هنا مشهورة على ألسنة العوام، لا يستطيع إنكارها إلا جاهل أو مجسم، وقد أنكرها ابن تيمية في بعض كتبه كما سيجيء.
سادسا:قال أبو القاسم القشيري في رسالته (1/57)ممزوجا بشرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري:سمعت محمد بن الحسين السلمي يقول سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت الجنيد يقول:متى يتصل من لا شبيه له ولا نظير له بمن له شبيه ونظير)حتى يقال فلان وصل إلى الله، ويراد به الوصول بالحس والقرب المعهودين(هيهات) أي بعد ذلك(هذا ظن عجيب إلا)أي لكن الاتصال به إنما هو (بما لطف اللطيف) أي بلطفه (من حيث لا درك ولا وهم ولا إحاطة إلا إشارة اليقين وتحقيق الإيمان، أي بالإشارة إلى ذلك يعني بكمال اليقين ومعرفة الله تعالى ودوام الذكر وقلة الغفلة."اهـ
فتأمل رحمك الله تعالى لطف هذا الكلام الصادر من رئيس هذه الطائفة الجنيد الذي لا يمن أن يقدح قادح في عظم مقامه في التوحيد والإيمان. وأهل السنة تبع له في هذا الطريق.
سابعا: قال أبو القاسم القشيري في رسالته (1/57) ممزوجا بشرح العلامة شيخ الإسلام زكريا الأنصاري:"وأخبرنا محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول :كل ما توهمه متوهم)أي تخيله (بالجهل أنه) تعالى (كذلك فالعقل يدل على أنه بخلافه) إذ المتوهم الجاهل إنما يتوهم الأجسام."اهـ
وهذا يعني أن الوهم هو الخيال كما وضحناه في أول هذه التعليقة، وأن ذلك كله لا يتعلق بالله تعالى. وهذه عبارة حقيقة بأن تتخذ قاعدة.
ثامنا: قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته أيضا في عقيدته التي جمعها من أقوال القوم والتي قال في بدايتها (1/63):"هذه فصول تشتمل على بيان عقائدهم في مسائل التوحيد ذكرناها على وجه الترتيب، قال شيوخ هذه الطريقة على ما يدل عليه متفرقات كلامهم ومجموعاتها ومصنفاتهما في التوحيد: إن الحق سبحانه وتعالى موجود قديم واحد حكيم قادر… حتى قال… ولا يتصور في الأوهام ولا يتقدر في العقول) لأن ذلك من خواص الأجسام يحصل لها بواسطة الكميات والكيفيات وإحاطة الحدود والنهايات."اهـ
وهذا الكلام واضح لا يحتاج إلى شرح خاصة بعد كلام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمة الله عليه.
تاسعا: قال الإمام البيهقي في شعب الإيمان (1/112):" وقد ذكر الحليمي رحمه الله تعالى في إثبات حدث العالم وما يدل على أن له صانعا ومدبرا، لا شبه له من خلقه، فصولا حسانا، لا يمكن حذف شيء منها، فتركتها على حالها، ونقلت ها هنا من كلام غيره ما لا بد منه في هذا الباب." ثم قال رحمه الله تعالى
"حقيقة المعرفة أن تعرفه موجودا قديما. لم يزل ولا يفنى أحدا صمدا شيئا واحدا لا يُتَصَوَّرُ في الوهم، ولا يتبعض، ولا يتجزأ…الخ".اهـ
ثم قال في (1/138):
"فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات ولا يتصور في الوهم؟
قيل: لأنه لو أشبهها لجاز عليه جميع ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص وأمارات الحدث، والحاجة إلى محدث غيره. وذلك يقتضي نفيه، فوجب أنه كما وصف نفسه )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب والبناء لا يشبه الباني، فدل ما ظهر لنا من ذلك على ما غاي عنا. وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه."اهـ
وروى الحافظ البيهقي في كتابه شعب الإيمان أيضا (1/136) قال:"أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، أنبا علي بن محمد المروزي، ثنا محمد بم إبراهيم الرازي، ثنا يحيى بن معاذ قال:"جملة التوحيد في كلمة واحدة، وهي أن لا تتصور في وهمك شيئا إلى واعتقدت أن الله عز وجل هو مالكه من جميع الجهات."اهـ
ولو أردنا أن نتتبع كلماتهم في هذا المعنى لاحتجنا إلى مجلدات لإيراد ما قالوه في ذلك، ولكن ما أوردناه فيه الكفاية للعاقل بتوفيق الله تعالى.
والحاصل من ذلك كله أن القاعدة التي اعتمدها أهل السنة هي أن الوهم لا يبلغ الله تعالى، بمعنى أننا لا نستطيع أن نتصور الله تعالى بخيالنا، بأن نفترض له صورة أو شكلا معينا أو ليس معينا، وذلك لأن الله تعالى ليس له شكل أصلا ولا صورة، فالشكل والصورة لا يثبتان إلا للأجسام والمركبات والله تعالى ليس كذلك.
([19]) قال الأصفهاني في المفردات:"وأدرك بلغ أقصى الشيء، وأدرك الصبيُّ:بلغ غاية الصِّبا، وذلك حين البلوغ."اهـ
وقال الفيروزآبادي في القاموس:"الدَّرَكُ محركة اللحاق… واستدرك الشيء بالشيء حاول إدراكه به. وأدرك الشيء: بلغ وقته وانتهى، وفني."اهـ
فإدراك الشيء لغة معناه اللحوق به والوصول إليه والانتهاء إليه.
([20]) الأفهام جمع فهم. قال الفيروزآبادي في القاموس:"فهمه كفرح فهْما ويحرك وهي أفصح، وفَهامة ويكسر وفَهامية: علمه، وعرفه بالقلب."اهـ
فالفهم هو العلم بالقلب إذن في أصل اللغة.
وحاصل قول الطحاوي رحمه الله تعالى "لا تدركه الأفهام" أي لا تعلمه القلوب، والعلم لا يحيط بحقيقة الله تعالى لا ذاته ولا صفاته، وقد سبق أن أشرنا إلى ذلك المعنى عند كلامنا على الوهم. فالعقول لا تستطيع أن تلحق به سبحانه. وهذه العبارة هي في الحقيقة قاعدة أخرى من قواعد أهل السنة، وعلى ذلك مشى المحققون منهم، أي إن ذاته لا يمكن تعقلها والعلم بحقيقتها.
وفي ذلك المعنى روى الإمام البيهقي في الأسماء والصفات فقال ص283:"أخبرنا أبو عبدالله الحافظ نا أبو العباس هو الأصم نا محمد بن إسحاق أنا عاصم بن علي نا أبي عن عطاء السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله."اهـ
وقال في شعب الإيمان(1/136):"أخبرنا حمزة بن عبد العزيز، أنبأ أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا محمد بن حاتم الزمّي المؤدب، أنبأ علي بن ثابت، عن الوازع بن نافع، عن سالم عن ابن عمر قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:تفكروا في آلاء الله-يعني عظَمَتَه- ولا تفكروا في الله".اهـ ثم قال البيهقي :هذا إسناد فيه نظر.
والروايات الدالة على هذا المعنى كثيرة، والآثار الواردة عن السلف أجل من أن تحصر، وقد سبق الإتيان ببعضها. ولا يخالف في هذا المعنى مخالف.
([21]) قال صاحب القاموس:"الشِّبة بالكسر والتحريك وكأمير:المِثل"اهـ، فالمعنى أن أحدا من الأنام لا يشبهه، قال البابرتي في شرحه على الهقيدة الطحاوية ص42:"ولا يشبهه الأنام، وهو كل ذي روح. وقيل جميع الخلائق، وقيل المراد بالأنام البشر وهو الأشبه، لأنه أراد به نفي قول المشبهة والمجسمة حيث وصفوا البارئ بأنه جسم على صورة البشر، وأيضا أراد نفي قول النصارى حيث جعلوا له ولدا وصاحبة تعالى الله عن ذلك. ولا شك أن الولد يشابه الأب، فعلى هذا أفاد قوله "ولا يشبهه الأنام" غير ما أفاد قوله فيما سبق "لا شيء مثله" لأن الأول عام وهذا خاص، فيكون مبالغة في تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به."اهـ
وهذا كلام مفيد.
وقد تواترت كلامات السلف والأحاديث والآيات على نفي الشبيه عن الله تعالى
- ففي الجامع الصحيح سنن الترمذي قال
حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو سعد هو الصنعاني عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله { قل هو الله أحد الله الصمد } فالصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت ولا شيء يموت إلا سيورث وإن الله عز وجل لا يموت ولا يورث { ولم يكن له كفوا أحد } قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء
- وفي مستدرك الحاكم
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو جعفر محمد بن علي قالا حدثنا الحسين بن الفضل حدثنا محمد بن سابق حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله عز وجل قل هو الله أحد الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوا أحد قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه
-وروى هذا الحديث أيضا الإمام البيهقي في الأسماء والصفات ص32 في جِماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله تعالى.
- ورواه أيضا في شعب الإيمان(1/113-114) فقال حدثنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، وأبو جعفر محمد بن صالح، قالا: ثنا الحسين بن الفضل، ثنا محمد بن سابق، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب "أن المشركين قالوا يا محمد انسُب لنا ربك، فأنزل الله عز وجل(قل هو الله أحد الله الصمد)، قال الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد" لأنه شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تبارك وتعالى لا يموت ولا يورث. ولم يكن له كفوا أحد لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء."اهـ
- وروى البيهقي أيضا في شعب الإيمان (1/143) قال:"أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق أنبأ أبو الحسن الطرائفي، ثنا عثمان بن سعيد الدارمي، ثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله (تعلم له سميا)مريم65، هل تعلم له عز وجل مثلا أو شبها."اهـ
-فهذه نصوص صريحة في نفي التشبيه عن الله تعالى، فتعجب بعد ذلك لمن قال بأن ذم المشبهة لم يرد في كتاب ولا سنة.
([22]) قال البابرتي في شرحه ص44:"القيوم هو القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل هو الحافظ، وقيل القائم بتدبير أمر الخلق، وقيل القائم بذاته المقيم لغيره. وقوله "لا ينام" نفي للنوم والسنة والسهو والغفلة عنه"اهـ
([23]) الخلق هو الإيجاد بعد العدم. والحاجة هي توقف كمال الواحد على غيره. فالله تعالى هو الغني الحميد، وتعالى الله عن أن يحتاج إلى غيره. وخلقه تعالى المخلوقات ليس حاجته لهم، بل ليعقب خلقه لهم أمره ونهيه على ما سبق في علمه تعالى(وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون) أي إلا لآمرهم بالعبادة. والعبادة كمال للعابد لا للمعبود.
([24]) قال في القاموس:"ومان القوم احتمل مَؤُونتهم أي قُوتَهم، وقد لا يهمز، فالفعل مانه. وما مأَنْتُ مأْنَهُ لم أكترث له أو لم أشعر به أو ما تهيأت له، ولا أخذت عُدَّته وأُهبته، وما طلبته ولا أطلتُ التعب فيه".اهـ
([25]) قوله باعث بلا مشقة فيه إشارة إلى البعث، والحياة الأخرى. ونفي المشقة عن الله تعالى في البعث كما هو في الخلق الأول، لأن المشقة توجد في من تنقص قدرته وطاقته إذا أوجد غيره، فيكون غيره لا يوجد إلا بجزء يستنفذه الموجد، فأنت مثلا عندما تحمل حملا، فإنك لم تكن لتحمله إلا عندما تستنفذ قدرا من الجهد الذي كان مخبوءا فيك، ولذلك فإن المشقة والتعب يحل فيك عند العمل. فيكون صدور الفعل منك مشروطا بفناء جزء منك في المفعول، وهذا كما ترى يستلزم إثبات النقص فيك ولك. والله تعالى يفعل لا كفعلك، ولذلك فلا تأخذه المشقة ولا يلاقي التعب في خلقه بالمرة.فافهم هذا المعنى فإنه نفيس.
وكلام الإمام الطحاوي فيه إشارة إلى ذلك كله، فهو يقول رحمه الله، إن الله فاعل بلا مشقة، أي مع أن كل فاعل من المخلوقات فهو فاعل بالمشقة والتعب، إلا أن الله تعالى لا يشبه شيئا من ذلك، ولا يشبهه شيء، فهو فاعل بلا مشقة.
([26]) أي إن الله تعالى قديم بذاته وصفاته، فلم يتصف جل وعز بشيء حادث، ولا بصفة حادثة، ومعنى الحادث هو الموجود بعد العدم. فالله قديم وصفاته قديمة، واعلم أن لفظ القديم لا يطلق إلا على الأمر الوجودي، فكأن الإمام الطحاوي أشار بكلامه هذا إلى أن صفاته تعالى وجودية خلافا للمعتزلة ومن وافقهم في قولهم بأن صفاته تعالى ليست وجودية، وبالأولى أن يكون إشارة إلى الرد على قول الفلاسفة الذين يبالغون في هذا الأمر فينفون جميع الصفات الوجودية على الإطلاق، ويخالفون حتى المعتزلة.
وانتبه إلى قوله "ما زال بصفاته قديما بصفاته قبل خلقه"، فقوله قبل خلقه، دليل على أنه يعتقد أن الله تعالى كان ولم يكن شيء معه، وإشارة إلى الرد على من خالف في ذلك كابن تيمية الذي ادعى أن الله لم يزم ومعه بعض مخلوقاته. فلم تتحقق قط الحالة التي يقال فيها إن الله قبل خلقه، فعبارة الإمام الطحاوي هذه إذن لا تصح إلا على قول أهل السنة والجماعة الأشاعرة ومن وافقهم. أما ابن تيمية فإنه ينفيها بلا توقف، ويعتبر القول بها بدعة في الدين ومخالفة لما تقتضيه دلائل العقول؟! وكلامه هذا مبني على قوله بقدم العالم النوعي.
([27]) كونهم أي كون المخلوقات، والمقصود بذلك وجودهم، ووجود المخلوقات هو صفة من صفاتهم هم لا من صفات الخالق جل شأنه. فإذا خلقهم جل وعز فإنه لا يستفيد من خلقه لهم أي صفة له، بل إن صفاته تبقى كما كانت قبل أن يخلقهم، وذلك لأن الله لو استفاد بخلقه للمخلوقات أي صفة، لكانت هذه الصفة إما نقصا أو كمالا، ويستحيل أن تكون نقصا، فيبقى أن تكون كمالا، ولكن إذا كان ما استفاده الله بسبب خلقه لهم كمالا له، للزم عن ذلك أن كماله مستفاد من المخلوقات، وهذا باطل، لأنه قد سبق بيان أن الله تعالى لا يحتاج إلى المخلوقات، بل هو جل شأنه غني عن غيره، والمخلوقات غير الله تعالى، فالله إذن غني عنهم، ومعنى أنه تعالى غني عن المخلوقات أي إنه لا يحتاج إليهم، ومعنى ذلك أن كماله لا يتوقف على وجودهم، بل هو حاصل على جميع كمالاته الواجبة له تعالى بذاته لا بذوات غيره.
هذه هي عقيدة أهل السنة في الله عز وجل. وهي ثابتة لله تعالى من حيث هو غني عن العالمين، فلا يصح مطلقا القول بأن الله تعالى لما كان موجودا قبل خلقه لم يكن متصفا بصفة معينة، ثم لما أوجد خلقه اتصف بصفة جديدة. فإن كل من يقول بمثل ذلك، فإنه يلزمه القول بافتقار الله تعالى إلى مخلوقاته، ومعلوم أن هذا لا يقول به عاقل. وأما وجه لزوم الافتقار عند القول بذلك، فإن وجود المخلوقات إذا لزم عنه اتصاف الله تعالى بأمر لم يكن قبل وجودهم من صفته، فإن وجود المخلوقات يصبح شرطا في اتصاف الله تعالى بهذا الأمر، وهذا الأمر لا بد أن يكون كمالا كما سبق بيانه، فالحاصل أن يكون المخلوقات شرطا في كمال الله تعالى إذن. والقول بشرطية المخلوقات للكمال الذي يتصف به الله تعالى معناه احتياج الله إلى مخلوقاته، والقول بذلك محال، وهو كفر.
وقد يتعجب بعض الناس فيقولون: وهل يوجد بالفعل من اشترط وجود المخلوق لاتصاف الله تعالى بكمال له؟ أي هل يوجد عاقل يقول بذلك؟!
ونقول له: نعم. إن بعض الفرق التي تنتمي إلى الإسلام، قد قالت بذلك. بل وجادل بعض أفرادها والمنظرون لتعاليمها وحاولوا الاستدلال على ذلك وأتوا بكل ما هو معيب لمحاولة تقريب ذلك إلى الذهن البشري، ولكن أنى لهم أن يفلحوا في قلب الباطل حقل، وفي إثبات أن الله تعالى محتاج إلى خلقه، وأن هذا النقص كمال له، فهل يمكن أن ينقلب النقص في حق الواحد كمالا في حقه؟!
وقد يقول قائل:فمن هم هؤلاء الذين قالوا بمثل هذا القول الشنيع.
نقول: بعض الناس ممن ينتمون إلى الدين الإسلامي يعتقدون أن الله تعالى له حجم معين ويطلقون على ذلك اسم القدر المعين، ويريدون بالقدر نفس معنى الحجم. وهؤلاء الذين يقولون بذلك أثبتوا الحدود لله تعالى، وإثبات الحدود لذاته جل شأنه عن هذا الهراء، لازم وضح لقولهم السابق. ثم قالوا، بما أن الله تعالى له حجم معين وقدر معين، فهو لا يستحيل عليه أن يتحرك من محل إلى آخر، ولا يستحيل عليه أن يتصرف في ذاته بالحركة والانتقال كما يتصرف الواحد من البشر بذاته كذلك. فجواز التصرف بهذا المعنى لازم واضح من لوازم مذهبهم القبيح ذلك. وما دام الله عند هؤلاء متحركا بإرادته، فإنه يجوز أن ينتقل من محل إلى آخر.
هذه كانت المقدمات التي اعتمد عليها هؤلاء لقولهم بجعل المخلوقات شرطا لكمالات الخالق. فقد قالوا: لما أراد الله أن يخلق العالم، وكان الله محدودا، والمحدود له جهات في نفسه، فله يمين وشمال وأعلى وأسفل، وهكذا، اختار أن يخلق العالم تحته، فخلقه تحته، فصار هو فوق العالم، وجهة الفوق أكمل من جهة التحت، ولذلك فإن الله تعالى اختار جهة التحت للعالم، واختار جهة الفوق لذاته، فصار الله تعالى في جهة الفوق التي هي كمال له، وذلك بعد أن خلق العالم. فكون الله تعالى في جهة الفوق الذي هو كمال له، أمر لم يجز حصوله له إلا بعد خلقه المخلوقات. فوجود المخلوقات إذن شرط في حصول هذا الكمال. فهذا هو قولهم بأن الله تعالى يحتاج إلى المخلوقات في الاتصاف بكمالاته. والبعض منهم صرح بهذا اللفظ، وهو ابن تيمية، وادعى أن ذلك لا نقص فيه ؟! وللعاقل أن يتعجب من كلامه ما شاء.
وأنت ترى أن ذلك كله يخالف ما نص عليه الإمام الطحاوي في المتن أعلاه، لما قال:"لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته". ألا ترى أن هذا يعارض قول المجسمة بأن الله تعالى على العرش جالس، وأن كونه على العرش أكمل من كونه لا على العرش، والعرش مخلوق، إذن فالحاصل على قولهم أن كون الله تعالى على العرش كمال مشروط بوجود العرش الذي هو مخلوق. وهذا غاية القبح.
وكذلك نفس قولهم في نزول الله تعالى بذاته إلى السماء الدنيا، فإنهم لا شك أنهم يقولون إن هذا كمال له، وهذا الكمال لم يكن ليحصل لولا أن المخلوقات موجودة، إذ بلا سماء يمكن النزول إليها، كيف يمكن النزول؟!
وكذلك يقولون في كونه خالقا، فإنهم يقولون لا يكون الله خالقا بالفعل إلا بعد إيجاده المخلوقات. وقبل ذلك فليس بخالق، ولكن كونه خالقا كمال له، فيلزم من ذلك على مذهبهم، وجوب أن يخلق الله تعالى المخلوقات. فاشترطوا بذلك لحصول الكمال لله تعالى وجود المخلوقات، ووقعوا في محظور آخر هنا وهو إيجاب ذلك على الله تعالى. وسوف يأتي مزيد توضيح لهذه النقطة قريبا.
ومذهب هؤلاء لم يجرؤ الفلاسفة على القول به، لقبحه وسخافته. ولكنك ترى هؤلاء ينسبون ذلك أيضا إلى الصحابة والتابعين بل إلى أهل السنة. وليس ذلك إلا الكذب الصريح.
([28]) هذا القول تفريع على ما سبق، فالله تعالى كما كان موصوفا بصفاته منذ الأزل، فإنه يبقى موصوفا بهذه الصفات إلى الأبد. ولا يطرأ عليه تغير ولا حدوث صفة. فلا يتصف الله تعالى بغير ما كان منذ الأزل موصوفا به.
وهذا كما ترى نفي صريح من الإمام الطحاوي لحدوث صفة حادثة في الله تعالى. وهو خلاف لما تفوه به ابن تيمية ومن اتبعه من المجسمة، في قولهم باتصاف الله تعالى بالصفات الحادثة.
ولو كان الله يجوز اتصافه بالحادث لكان محتاجا إلى الحادث، ولكان ناقصا منذ الأزل حتى حين اتصافه بذلك الحادث، ولكان ذاته تقبل التغيرات والتحولات. ولكان مؤثرا في ذاته. وقد صرح ابن تيمية بكل هذه القبائح في كتبه. بل وصرح بأكثر منها.
فاللازم على الإنسان العاقل أن يعرف ممن يأخذ عقيدته، ولا يغتر بالأسماء اللامعة، فكثير من المشهورين لا قيمة لما يكتبون في موازين العقول. كما أن الشهرة بحد ذاتها ليست دليلا يحتج بها على الحق والباطل. فتأمل.
([29]) إن الله تعالى خالق، أي متصف بكونه خالقا. وكونه خالقا هو حاصل منذ الأزل، وفي الأزل لم يكن ثم مخلوق، إذن فالله تعالى خالق وقبل وجود المخلوقات. والمخلوقات لم تكن لتوجد إلا بخلقه لها. إذن هو تعالى خالق وقبل أن يخلق الخلق. وكونه خالقا، صفة كمال له تعالى، ولا يجوز أن يقال إنه لا يكون خالقا إلا بعد وجود المخلوقات، إلا على معنى أنه لا يكون خالقا بالفعل إلا بعد وجود المخلوقات، فإن من يقول بذلك يشترط لاسم الفاعل حصول الفعل، لا مجرد القدرة على تحصيله. فمن أراد هذا المعنى فهو صحيح. وهذا راجع إلى اللغة. ومن قال بذلك فإنه يقول بأن الخلق بالفعل ليس كمالا له تعالى، لأنه تعالى لم يزل كاملا، تاما، وفي الأزل لم يكن الخلق موجودين. بل خلق المخلوقات كمال لهم لا للخالق.فافهم.
وأما من قال إن كونه خالقا لا يكون إلا بإيجاد المخلوقات بالفعل، وكونه خالقا كمال له تعالى، فهذا القائل يريد أن يقول إن إيجاد المخلوقات واجب على الله تعالى، لأن كل ما كان كمالا فهو واجب، وما دام كونه خالقا واجب لأن كمال، وكونه خالقا لا يحصل إلا بإيجاد المخلوقات، فإيجاد المخلوقات واجب. فهذا هو من يجعل المخلوق شرطا لكمال الخالق. وهذا حمق وإلحاد. وهذا هو قول ابن تيمية الحراني، يصرح به ولا يلوح، بل ويدعي أن هذا هو ما كانت عليه عقيدة السلف؟! فقبحا له من مغالط مكابر، وتعسا لمن يتخذ مثله قدوة.
وهذا القول من ابن تيمية هو أصل قوله بالتسلسل للحوادث في القدم، والقليل فقط من عرف حقيقة مراده من هذا القول، وادعى بكل جرأة أن هذا ما كان عليه السلف. وصريح كلام الإمام الطحاوي أن الحوادث في الأزل منقطعة، فإن الله تعالى كان ولم يكن شيء معه، وكان ولا مخلوق، وهذه العقيدة هي التي اتفق عليها أهل السنة. ولم يخالف فيها من هو معتد بأقواله، وبعد ذلك كله ترى ابن تيمية يصرح بأن هذا القول لا يليق بالله تعالى وتنزه عما يقول. ويدعي أن كون الحوادث مع الله تعالى هو اللائق بجلاله وكماله، وهذا كلام ساقط، لا يميل إليه إلا من في قلبه زيغ. وهذه هي إحدى المسائل التي خالف فيها ابن تيمية متن الإمام أبي جعفر الطحاوي، فاحفظها.
تنبيه: حاول ابن تيمية أن يقرب قوله بأن الحوادث متسلسلة في القدم، أي لا أول لها في القدم، بأن قال: ما دام قد جاز بقاء الحوادث في المستقبل إلى الأبد، وهو بقاء الجنة والنار، عند القائل ببقاء النار، وهم أهل السنة، وأما ابن تيمية فإنه يقول بفنائها، يقول ما دام جاز البقاء إلى الأبد، فيجوز التسلسل في القدم، لأنه لا فرق بين الأبد والأزل، فما جاز عليه أحدهما يجوز في الآخر.
واعلم أن هذا الكلام عبارة عن مغالطة واضحة، ففرق كبير بين القدم، والبقاء، فما فالقدم لا يصدق إلا على معنيين، الأول عدم الأولية، والثاني الدوام أزمنة لا نهاية لها في الماضي، فمعناه أنه مهما وجد زمان فإنه يوجد قبله زمان آخر لا إلى نهاية، وهذا يستلزم وجود سلسلة لا نهاية لها من الحوادث الزمانية في القدم، وأما المعنى الأول فهو الثابت في حق الله تعالى كما أشرنا إليك في محله، وأما المعنى الثاني فهو غير جائز مطلقا، لأنه غير متصور، ويستلزم أزلية الزمان، وهو باطل للزوم كونه مخلوقا، وما كان مخلوقا يمتنع أن يكون أزليا. وكذلك البقاء في الأبد، فإنه صادق على معنيين الأول هو عدم الآخرية، والثاني البقاء أزمنة لا نهاية لها في المستقبل، فأما المعنى الأول فهو الثابت لله تعالى، فبقاؤه في المستقبل، ليس معناه دوامه أزمنة لا نهاية لها، بل معناه إنما هو عدم وجود آخر له تعالى، وأما المعنى الثاني، فمعناه أنه مهما وجد زمان حاضر، فيتصور وجود زمان لاحق له، ولاحظ أن هذا المعنى لا يلزم عنه وجود أزمنة لا نهاية لها بالفعل، بل يستلزم جواز وقوع زمان تالٍ لزمان حاضر، وهكذا، وهذا لا يستلزم وقوع زمان لا نهاية له بالفعل كما ترى.
فأنت ترى من مجرد تحليل هاتين الحالتين، أنه يوجد فرق كبير بين التسلسل في الماضي، والتسلسل في المستقبل، فحيث يستلزم الأول وقوع ما لا نهاية له بالفعل، فإن الثاني لا يستلزمه مطلقا. وبذلك يتبين لك مدى حمق من أجاز القياس بينهما، وقال إنه ما دام جاز التسلسل في المستقبل فيجوز إذن في الماضي. فلا توجد علة مشتركة بين الأمرين كما ترى حتى يجوز القياس بينهما. ولا يشتركان في معنى واحد مؤثر حتى يقال إنه إذا جاز أحدهما جاز الآخر.
وأدى قول ابن تيمية بهذا القول-أي وقوع التسلسل في الماضي- إلى قبائح عديدة، وضحناها في كتاب "الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية". ولو كان المجال مناسبا هنا لأوسعنا لك في بيان مدى غلطه ومد خطورة هذا القول على عقائد الدين. ولكن ما ذكرناه يكفي القارئ النبيه بتوفيق الله تعالى.
([30]) عبارة الطحاوي هذه أصل عظيم قال به أهل السنة، والطريقة التي يورده بها هي طريقة الأحناف رضي الله تعالى عنهم. فالربوبية لها معنى، ومعناها هو القدرة على الخلق، والتدبير، وسائر خصائص الربوبية كما وضحنا بعضها في أول تعليقاتنا هذه. وهذه المعاني ثابتة لله تعالى قبل وجود أي مربوب مطلقا، وتنبه إلى عمق ودقة عبارته هذه، فهو يصرح فيها بأن الله تعالى كان موجودا في حال لم يكن معه فيها أي مخلوق، ولا أي مربوب، وهو معنى قوله "ولا مربوب"، فالله تعالى موجود قبل المخلوقات كلها، ومعنى الربوبية لم يكتسبه الله تعالى من وجود المخلوقات، ولم يطرأ عليه بعد خلقه للمربوبين. فإن هذا ينافي كماله وغناه المطلق، كما وضحناه لك فيما سبق.
([31]) وقوله هذا أيضا، له معنى قريب من معنى العبارة السابقة، بل هو أخص منها، فالخالق هو الله تعالى، ولم يتصف بكون خالقا، بعد أن أوجد المخلوقات، بل هو تعالى خالق وقبل الخلق، وذلك لأن صفة الخلق صفة ثابتة له جل شأنه، قبل وجود المخلوقات، فبهذه الصفة أوجد المخلوقات، ويستحيل أن يكون قد اكتسبها منهم، بل هم اكتسبوا وجودهم منه جل شأنه.
وتأمل أيضا في قوله، وله معنى الخالق ولا مخلوق، فإن هذا تصريح قوي بوجود الله تعالى قبل وجود المخلوقات كلها، وهو تصريح بأن سلسلة المخلوقات منقطعة في الأزل، خلافا لابن تيمية الذي يقول بأن الله تعالى لم يزل ومعه بعض مخلوقاته، فلم يكن موجودا أبدا وحده، بل لم يزل ومعه بعض خلقه. وهذا ينافي تماما ما يصرح به الطحاوي من عقيدة أهل السنة بأن الله تعالى سابق لجميع المخلوقات، فهو موجود قبلها جميعها، فلجميع المخلوقات وسلسلة الخلق بداية ولا شك، وهذه عقيدة أهل السنة، وابن تيمية يخالفها ويدعي بكل جرأة أن كون الله تعالى خالقا لا يمكن أن يصح إلا بأن يوجد بالفعل المخلوقات، ويدعي أن وجود المخلوقات كمال لله تعالى، وهو في هذا يخالف كون الله تعالى غني بالذات، لا بالغير، وكامل بالذات لا بالغير، ويخرج في هذا أيضا عن عقيدة أهل السنة أهل الحق، ويخرج أيضا عن ما يدل عليه العقل.
ومعنى الخالق هو غير نفس الخلق، لأن الخلق فعل من أفعال الله تعالى، وأما معنى الخلق، فهو الصفة التي يتصف بها الله تعالى وبها يخلق المخلوقات جميعا، وهي كون الله تعالى قادرا عالما مريدا. فهذه الصفات ثابتة لله تعالى قبل وجود المخلوقات، فهو تعالى خالق وقبل الخلق، كما إنه تعالى رب وقبل وجود المربوبين.
وهذا المعنى استفاده الإمام الطحاوي من عدة نصوص في الكتاب والسنة، كما استفاده أهل السنة جميعا بل سائر الفرق الإسلامية المعتد بها، إلا المجسمة.
-قال الله تعالى في سورة آل عمران:[ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190)]
-وقال تعالى في سورة الأنعام:[ ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102)]
-وقال تعالى في سورة يونس:[ قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34)]
-وقال تعالى في سورة النحل:[ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17)]
- وقال تعالى في سورة العنكبوت:[ أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19)]
- وقال تعالى في سورة الجاثية:[ وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (13)]
وقد أبدع الإمام البيهقي في بيان هذا المعنى في كتابه الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد ص55، فقال:"وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه أنا بشر بن موسى ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال:
أتيت رسول الله صلة الله عليه وسلم فجاءه نفر من أهل اليمن فقالوا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟
قال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض".
قال الأستاذ رحمه الله:قوله كان الله ولم يكن شيء غيره، يدل على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، وكل ذلك أغيار. وقوله وكان عرشه على الماء يعني به ثم خلق الماء، وخلق العرش على الماء.
وبيان ذلك في حديث أبي رزين العقلي عن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال "ثم خلق العرض على الماء". أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو زكريا العنبي، ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا إسحاق بن إبراهيم أنا عبد الرزاق عن عمر بن حبيب المكي، عن حبيب بن قيس الأعرج، عن طاوس: قال:
جاء رجل إلى عبد الله بن عباس فسأله، فقال: مم خلق الخلق؟ قال من الماء والنور الظلمة والريح والتراب. فقال الرجل فمم خلق هؤلاء؟ فتلا عبد الله بن عباس (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه).
قال: فأخبرنا ابن عباس أن الماء والنور والظلمة والريح والتراب مما في السموات وما في الأرض، وقد أخبر الله عز وجل أن مصدر الجميع منه، أي من خلقه وإبداعه واختراعه فهو خالق كل شيء، خلق الماء أولا، أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ثم جعله أصلا لما خلق بعده، فهو المبدع وهو الباري لا إله غيره ولا خالق سواه."اهـ

([32]) هذا إكمال من الطحاوي لتوضيح القاعدة السابقة، وهي كون صفات الله ليست مستمدة من أفعاله جل شأنه، فإن أفعاله حادثة وصفاته قديمة. ولذلك فإنه يتصف بأنه محيي الموتى وقبل إيجاد المخلوقات بل وقبل إماتتهم، وكذلك يسمى خالقا وقبل أن يخلقهم. والسبب في تسميته بهذه الأسماء هو قيام الصفات التي بها يكون منشأ الخلق وهي القدرة والإرادة والعلم، وقيام هذه الصفات بذاته جل شأنه أزلي، ولا يعتمد على إيجاد الله تعالى لهذه المخلوقات، لأن نفس إيجاده مشروط بوجود هذه الصفات له.
ومن هذا نستفيد معنى في غاية الإفادة وهو أن الله تعالى لا يستفيد اتصافه بالصفات ولا تسميته بالأسماء من الأفعال التي يقوم بها، بل من الصفات التي يتصف بها. ولهذا فإن أسماءه وصفاته تعالى أزلية، مع كون أفعاله حادثة. فأفعاله ناشئة عن الصفات، وليست صفاته ناشئة عن أفعاله.
وهذا الأصل قد خالف فيه ابن تيمية أيضا، فادعى أن كونه تعالى خالقا إنما يصح بأن يوجد الله تعالى المخلوقات، وإيجاده تعالى للمخلوقات هو كمال له. وادعى أيضا أنه تعالى يفعل الكلام في ذاته، فيصبح بهذا الكلام الذي هو فعل له متكلما، فجعل الفعل قائما بالله، والفعل حادث. فجعل الله تعالى موصوفا بصفات حادث، وهذا معنى قوله أن الله يتصرف في نفسه. كما يتصرف المخلوق بنفسه تماما.
وابن تيمية خرج في هذا الكلام عن ما يقول به أهل السنة، وأهل الحق، وهو خلاف لما ينص عليه الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى. وهذا أصل عظيم من أصول أهل السنة ينبغي على القارئ الاعتناء بتحصيله. والله الموفق.
([33]) قوله ذلك تعليل للحكم الذي وضحه سابقا، وهو كون الله تعالى خالقا وقبل المخلوقات، وربا وقبل المربوبات. فكلمة ذلك تدل على العلة التي من أجلها حكم الطحاوي بذلك الحكم، والعلة كما تراها هي كون الله تعالى متصفا بأنه على كل شيء قدير، فالقدرة منشأ كل تلك الصفات، وهي صفة قديمة قائمة بالله تعالى. ولأجل اتصافه تعالى بالقدرة فهو الرب والخالق والرازق المحيي والمميت..الخ، فكل هذه الصفات راجعة إلى القدرة كما ترى، فلو لم يكن تعالى قديرا لما صح اتصافه بأي من هذه الصفات.
وهذا الكلام يوافق ما عليه أهل السنة من إرجاع جميع هذه الصفات إلى القدرة تماما كما نص عليه الإمام الطحاوي، ولا يجعلون كل فعل من هذه الأفعال ناشئا عن صفة خاصة قائمة بالله تعالى كما يدعيه الجهلة من المجسمة، بل كل هذه الأفعال ناشئة عن صفة واحدة وهي القدرة.
والآيات التي تنص على أن الله على كل شيء قدير كثيرة منها
-قوله تعالى في سورة البقرة:
[يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20)]
-وقوله تعالى في سورة البقرة:
[ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109)]
-وقوله تعالى في سورة النحل:
[ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77)]
-وقوله تعالى في سورة العنكبوت:
[قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير (20)]
([34]) لاحظ أيها القارئ النبيه كيف عقب الإمام الطحاوي القواعد السابقة بهذه العبارة، التي تنص على أن الله تعالى لا يحتاج إلى شيء، وهذا يعني بوضوح أن الإمام الطحاوي يريد أن يقول إن من يخالف العقائد السابقة على ما تقدم شرحها، فإنه يلزمه أن الله تعالى محتاج إلى غيره من المخلوقات. وهذا كفر بالله لا شك ولا ريب.
وأدلة كون الله تعالى غنيا كثيرة منها
قوله تعالى في سورة آل عمران
-[ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97)]
وقوله تعالى في سورة النساء:
-[ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (131)]
وقوله تعالى في سورة الأنعام
-[وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133)]
وقوله تعالى في سورة يونس
-[قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68)]
والآيات الدالة على هذا المعنى في القرآن كثيرة.
إذن فالإمام الطحاوي متنبه لانبناء هذه القواعد المذكورة على قاعدة عظيمة هي استغناء الله تعالى عن كافة خلقه، ولكنك ترى أن ابن تيمية يصرح بكل جرأة بل بكل شناعة بأن الله تعالى إذا احتاج إلى مخلوقاته فهذا لا ينافي كماله، لأن مخلوقاته، محتاجة إليه، فهو إن احتاج إليها فإنه يحتاج إلى من هو محتاج إليه، فكأنه لا يحتاج إلا إلى نفسه. وهذا كلام باطل بلا ريب بينا بطلانه في كتاب "الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية". فإن الله إذا احتاج إلى مخلوقاته فإنه يكون فقيرا إليهم بلا ريب. وافتقاره إلى غيره وهم المخلوقات ينافي كماله بالذات.
([35]) بعد أن أشار الإمام الطحاوي إلى بعض القواعد في العقائد، كما سبق بيانه، ونبه إلى أدلتها العقلية، الإجمالية، ذكر هنا دليلا نقليا محكما لا شك في دلالته على ما سبق بيانه وتفصيله، وهو قوله تعالى في سورة الشورى [فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (11)]، فهذه الآية من أقوى الآيات في تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقات من كل الوجوه. وهي آية محكمة كما ترى، فلو كان الله تعالى مثل شيء من مخلوقاته لكان محتاجا إلى من يوجده، ولكنه تعالى ليس كمثله شيء، فلا يمكن أن يكون محتاجا إلى غيره. وهذا الأسلوب من الاستدلال هو عين ما تجده في كبار كتب الأشاعرة من الدلالة على وجوب تنزه الله تعالى عن ما مضى ذكره من النقائص بوجوب الكمال له، ويستدلون على ذلك بالعقل والنقل. فلو كان مثل غيره من وجه من الوجوه لكان محتاجا مثل غيره، لأن الأمثال تتساوى في الأحكام، وقد ثبت بالعقل حكم الاحتياج لكل ما سواه تعالى، فلو قيل إن الله تعالى يشبه غيره ولو من وجه من الوجوه، للزم على ذلك قولنا أنه تعالى مفتقر إلى غيره كافتقار ما يساويه إلى غيره. ولكن هذا باطل، إذن فالله تعالى لا يمكن أن يكون مماثلا لغيره ولا بوجه من الوجوه، وهذا سبق بيانه في تفسير قوله "ولا يشبهه شيء".
قال الإمام البيضاوي في تفسير هذه الآية:"ليس كمثله شيء أي ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه، والمراد من مثله ذاته،كما في قولهم مثلك لا يفعل كذا، على قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى…ثم قال…ومن قال الكاف فيه زائدة لعله عنى أنه يعطي معنى ليس مثله، غير أنه آكد لما ذكرناه. وقيل مثله صفته أي ليس كصفته صفة."اهـ
وقال الراغب في المفردات في معنى المثل:"عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أيَّ معنى كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة وذلك أن الند يقال فيما يشارك في الجوهر فقط، والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيما يشارك في الكمية فقط، والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، والمِثْل عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال:[ليس كمثله شيء]."اهـ
وهذه الآية كما نص عليه العلماء تنفي مطلق المشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته، فكل ما يتصف به المخلوقات لا يمكن أن يتصف به الخالق

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matoury25.ahlamountada.com
العروابي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 158
نقاط : 2899
تاريخ التسجيل : 16/01/2010
الموقع : ام هجيليجة

مُساهمةموضوع: رد: متن العقيدة الطحاوية   مايو 30th 2010, 20:36

51} فما بالك بعد ذلك بمن لم ينزجر بهذا، بل وصف الله تعالى بالمعاني الثابتة للخلق، ونسب إليه تعالى ما لا يجوز نسبته إلا إلى المخلوقات، وذلك كالمشبهة والمجسمة الذين نسبوا إليه تعالى الحرف والصوت الحادثين في ذاته بقدرته وإرادته.
([52]) قال العلامة الأصفهاني في المفردات: الرؤية إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس. والأول:بالحاسة وما يجري مجراها، نحو لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) وقوله تعالى(ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله) وقوله(فسيرى الله عملكم) فإنه مما أُجرِيَ مجرى الرؤية الحاسة، فإن الحاسة لا تصح على الله تعالى عن ذلك، وقوله(إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم). والثاني:بالوهم والتخييل نحو أرى أن زيدا منطلق، ونحو قوله(ولو ترى إذ يَتوفى الذين كفروا). والثالث: بالتفكر نحو(إني أرى ما لا ترون) والرابع: بالعقل وعلى ذلك قوله (ما كذب الفؤاد ما رأى) وعلى ذلك حمل قوله( ولقد رآه نزلة أخرى).اهـ
([53]) أي رؤية الله تعالى فهي حق بمعنى أنها واقعة لأهل الجنة، لا لغيرهم من أهل الدنيا. فلا يرى الله تعالى أحد في الحياة الدنيا كما هو ظاهر كلام الإمام الطحاوي وكما هو المعتمد عند كثير من أهل السنة.
أما وقوعها لأهل الجنة فقد دل على ذلك النصوص التالية:
منها ما رواه الإمام النسائي في سننه الكبرى عن جرير قال خرج علينا رسول لله صلى الله عليه وسلم ليلة البدر فنظر إلى القمر فقال إنكم ترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته.
وقد رواه الإمام البخاري في صحيحه عن جرير قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة يعني البدر فقال إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.
ورواه عنه أيضا النسائي في سننه الكبرى. وفيه عن أبي هريرة بلفظ قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا قال هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه وترون القمر في ليلة لا غيم فيها قلنا نعم قال فإنكم سترون ربكم. وهو في المعجم الكبير للطبراني عن جرير، وفي سنن أبي داود، وابن ماجه، والسنن الكبرى للبيهقي، وابن حبان، وفي صحيح مسلم.
ورواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انكم سترون ربكم عز وجل قالوا يا رسول الله نرى ربنا قال فقال هل تضارون في رؤية الشمس نصف النهار قالوا لا قال فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في ذلك قال الأعمش لا تضارون يقول لا تمارون.
ورواه البخاري في صحيحه عن جرير بن عبد الله بلفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم إنكم سترون ربكم عيانا.
وهو في الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتضامون في رؤية القمر ليلة البدر وتضامون في رؤية الشمس قالوا لا قال فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب.
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عبادة بن الصامت أنه قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت ألا تعقلوا أن مسيح الدجال رجل قصير أفحج جعد أعور مطموس العين ليس بناتئة ولا حجزاء فإن ألبس عليكم قال يزيد ربكم فاعلموا أن ربكم تبارك وتعالى ليس بأعور وإنكم لن ترون ربكم تبارك وتعالى حتى تموتوا قال يزيد تروا ربكم حتى تموتوا.
فهذه الروايات كلها تدل على أن الرؤية واقعة للمؤمنين في يوم القيامة، لا في الحياة الدنيا.
([54]) الباء في قوله بغير، متعلقة بقوله والرؤية، أي إن الرؤية تكون بغير إحاطة ولا كيفية، فيجب نفي الكيف عن الرؤية، وقد سبق بيان معنى الكيف، ومضى ذكر أنه يجب نفي الكيف عن الله تعالى وصفاته. وأما الإحاطة، فلا يحيط بجلال قدر الله تعالى إلا هو جل شأنه، فلا يجوز أن يتوهم واحد أن الرؤية المشار إليها تكشف عن جميع صفات الله تعالى، وجليل ذاته. ثم إن الإحاطة الفعلية لا تكون إلا لمن له حدود، وأما الله تعالى فلا حد له ولا طرف ولا غاية، وقد سبق بيان ذلك كله، فلا يجوز أصلا نسبة الحدود والإحاطة إليه جل شأنه، لانتفاء ذلك عنه.
قال العلامة الغنيمي في شرحه على العقيدة الطحاوية:"ونقول (الرؤية) إلى الذات المقدسة المنزهة عن الإحاطة والجوانب(حق) أي ثابتة (لأهل الجنة) لكن (بغير إحاطة) بجوانب المرئي وحدوده، لتعاليه تعالى عن التناهي بالجوانب والاتصاف بالجوانب والحدود (ولا كيفية) من مقابلة وجهة وارتسام، واتصال شعاع وثبوت مسافة بين الرائي والمرئي لأن هذا كله في رؤية الأجسام والله تعالى ليس بجسم فليست رؤيته كرؤية الأجسام، فإن الرؤية تابعة للشيء على ما هو عليه، فمن كان في مكان وجهة لا يرى إلا في مكان وجهة كما هو كذلك، ويُرَى بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، ومن لم يكن في مكان ولا جهة وليس بجسم، فرؤيته كذلك ليس في مكان ولا جهة ولا بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة، وإلا لم تكن رؤية له، بل لغيره."اهـ
وهذا الكلام جيد ومفيد، إلا قوله "، فمن كان في مكان …. ويُرَى بمقابلة واتصال شعاع وثبوت مسافة"اهـ، فأول هذا الكلام صحيح بلا شك، وهو أن ما كان في مكان فإنه يرى في مكان، وأما القسم الثاني، وهو أن ما كان في مكان فظاهر كلامه أنه لا يرى إلا باتصال شعاع وثبوت مسافة ومقابلة، وهذا غير صحيح، إن كان هو ما أراده، فإن ما كان في مكان فإنه يمكن أن يُرى بلا اتصال شعاع ولا مقابلة ولا جهة، ويمكن أن يكون معناه أنه كذلك عادة، وبناءا على ذلك فلا إشكال. فالرؤية في الحقيقة صفة كاشفة، وهي قائمة في الرائي، وتكشف عن المرئي، وعليه فإن الرائي يمكن أن يكون لا في مكان، ويرى ما هو في مكان، ولا يشترط في الرؤية عنه أهل السنة اتصال شعاع، وغير ذلك من الشروط العادية، كما أشار، وإلى ذلك نبه العلامة الطحاوي في قوله "بلا كيفة".
هذا واعلم أن ابن تيمية قد فسر قول السلف ومنهم الطحاوي"أن الله تعالى يُرى بلا إحاطة" بالمعنى التالي:"أي إن الله تعالى وإن كان له حدود، إلا أن الرائي لا يحيط بحدوده، كما إذا نظرت إلى السماء فهي وإن كانت محدودة إلا أنك لا تحيط بحدودها، فكذلك الله". هذا هو حاصل ما يقوله هذا الرجل، وهو يبني ذلك كله على مذهبه في التجسيم والقول بأن الله تعالى محدود من جميع الجهات، وهو مذهب باطل مرذول، لا يقول به واحد من أهل السنة، ولا ينفع ابن تيمية أن ينسبه إلى السلف والعلماء المتقدمين، فإن مجرد نسبته إليهم، لا يعني أنهم قد قالوا به فعلا ؟! بل هم قد صرحوا بنفي الحدود والكيفية كما ترى كلام الإمام الطحاوي.
([55]) هذه الآيات من سورة القيامة، فقد اختلف فيها أهل التأويل كما قال الإمام الطبري، روى عن عكرمة وإسماعيل بن أبي خالد: أي تنظر إلى ربها نظرا. وروى بسنده عن الحسن قال:حسنة إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق. وروى عن عطية العوفي، في قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ.
وروى الإمام الطبري بسنده عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى مُلكه وسُرُرِه وخدمه مسيرة ألف سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بُكرة وعشية». وروى عن أبي الصهباء الموصلي، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة، من يرى سرره وخدمه ومُلكَهُ في مسيرة ألف سنة، فيرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أفضلهم منزلة، من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية».
وذكر الإمام الطبري أن آخرين قد خالقوا في ذلك فقال: وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنها تنتظر الثواب من ربها. وروى ذلك بسنده عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أناس يقولون في حديث، «فيرون ربهم» فقلت لمجاهد: إن ناسا يقولون إنه يُرَى، قال: يَرى ولا يراه شيء.
ثم قال الإمام الطبري: "وأولى القولين في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرِمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم."اهـ ثم شرع في ذكر الروايات الدالة على ذلك، من ذلك ما رواه بسنده ، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ?: «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً، لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ ألْفَيْ سَنَةٍ قال: وإنَّ أفضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَمَن يَنْظُرُ في وَجْهِ اللَّهِ كُلَّ يَوْم مَرَّتَينِ قال: ثم تلا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: بالبياض والصفاء، قال: إلى رَبِّها ناظِرَةٌ قال: تنظر كلّ يوم في وجه الله عزّ وجلّ».
وروى عنه أيضا عن ابن عمر، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى مُلكه وسُرُرِه وخدمه مسيرة ألف سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أرفع أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى وجه الله بُكرة وعشية». وروى هذا الحديث أيضا الترمذي عن ابن عر ثم قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } قال أبو عيسى وقد روي هذا الحديث عن غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن بن عمر مرفوع ورواه عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن بن عمر موقوف وروى عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر قوله ولم يرفعه حدثنا بذلك أبو كريب محمد بن العلاء حدثنا عبيد الله الأشجعي عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن بن عمر نحوه ولم يرفعه.اهـ والحديث ضعيف من جهة ثوير ابن أبي فاختة.
وروى الطبري عن أبي الصهباء الموصلي، قال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة، من يرى سرره وخدمه ومُلكَهُ في مسيرة ألف سنة، فيرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أفضلهم منزلة، من ينظر إلى وجه الله غدوة وعشية».
قال العلامة كمال الدين البياضي الحنفي في "إشارات المرام من عبارات الإمام" ص201: "(قال في شرح الوصية والفقه الأكبر:ولقاء الله تعالى) أي كونه مرئيا (لأهل الجنة) زيادة في إكرامهم فيها (حق) أي ثابت بالدلائل القطعيات من بينات الآيات، ومشهورات الروايات واقع (بلا كيفية) أي ملابسا لعدم الكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأعراض لما سيأتي من البيان(ولا تشبيه) له تعالى بشيء من المخلوقات (ولا جهة) له ولا تحيز في شيء من الجهات، وفيه إشارات:
الأولى: أنه تعالى يرى بلا تشبيه لعباده في الجنة بخلق قوة الإدراك في الباصرة من غير تحيز ومقابلة ولا مواجهة ولا مسامتة.
الثانية: إمكان ذلك وثبوته بالآيات والأحاديث المشهورة، وإليه أشار بالحق في مقام الاستدلال، وهي كثيرة. منها قوله تعالى حكاية عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام:"ربِّ أرني أنظُرْ إليك، قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني" الأعراف 143، وقوله تعالى"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" القيامة 22-23، وقوله تعالى"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة"سورة يونس26. روى أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى.
ومنها ما رواه عبدالله بم عمر رضي الله تعالى عنهما، عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"إن أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غُدوَةً وعَشِيَّة، ثم قرأ: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" وغير ذلك كما سيأتي.
الثالثة: الرد على فرق المبتدعة كالمشبهة والكرامية النافية للرؤية بلا مكان ولا جهة زالمعتزلة والنجارية والخوارج النافية لمطلق الرؤية. ولا نزاع لهم في إمكان الانكشاف التام العلمي، ولا لنا في امتناع ارتسام الصورة أو اتصال الشعاع، أو حالة مستلزمة لذلك. بل النزاع في أنا إذا نظرنا إلى البدر، فلنا حالة إدراكية نسميها الرؤية مغايرة لما إذا أغمضنا العين وإن كان ذلك انكشافا جليا، فهل يحصل للعباد بالنسبة إلى الله تعالى تلك الحالة وإن لم يكن هناك مقابلة. كما في شرح المقاصد وغيره. وإليه أشار بقوله (يراه المؤمنون وهم في الجنة دون المرئي تعالى(بأعين رؤوسهم) لا ببصائرهم فقط لعدم النزاع فيه.
الرابعة: أن المراد بنفي الكيفية والجهة خلو تلك الرؤية عن الشرائط والكيفيات المعتبرة في رؤية الأجسام والأعراض مع سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يمكن رؤيته من المقابلة والعدم القرب القريب والبعد البعيد، واللطافة والحجاب، لا بمعنى خلو المقابلة أو الرائي والمرئي عن جميع الحالات والصفات على ما يفهم أرباب الجهالات، فيعبرضون بأن الرؤية فعل من أفعال العباد أو كسب من أكسابه، فبالضرورة يكون واقعا بصفة من الصفات، وكذا المرئي بحاسة العين لا بد أن يكون له حال أو كيفية من الكيفيات كما في شرح المقاصد، وإليه أشار بالاكتفاء بقوله فيه( ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة) ولا قرب ولا بعد ول احجاب ولا مقابلة، فإن تلك الشروط مبنية على الاستقراء، ولا يقاس أمر الآخرة بأمر الدنيا كما في التعديل.
فأشار بإضافة اللقاء إليه تعالى والبيان بما بعده إلى أن المراد من الرؤية أن يحصل انكشاف للعباد بالنسبة إلى ذاته المخصوصة سبحانه، ويجري مجرى الانكشاف الحاصل عند إبصار الألوان والأضواء.
والانكشاف يجب أن يكون على وفق المكشوف، فإن كان المكشوف مخصوصا بالجهة والحيز، وجب أن يكون الانكشاف كذلك، وإن كان المكشوف منزها عن الجهة والحيز وجب أن يكون انكشافه منزه عن الحيز والجهة كما في الأربعين للرازي.
هذا والآية الأولى تدل على إمكان رؤيته. وذلك أن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام طلب الرؤية ولم يكن عابثا ولا جاهلا والله علقها على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه. وما يقال على الأول أنه إنما طلب العلم الضروري أو رؤية آية، ولو سلم فلقومه ولزيادة الطمأنينة بتعاضد العقل والسمع، ولم سلم فالجهل بمسألة الرؤية لا يخل بالمعرفة، فقد ردّ بأن "لن تراني" نفي للرؤية لا للعلم، أو رؤية الآية، كيف والعلم حاصل؟ والآيات كثيرة، والحاصل منها حينئذ إنما هو على تقدير الاندكاك دون الاستقرار.
والرؤية المقرونة بالنظر الموصول بإلى نص في معناها.
والقوم إما مصدقون لموسى عليه الصلاة والسلام فيكفيهم إخباره بامتناع الرؤية أو لا فلا يفيد حكايته عن الله تعالى، ولا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم تأخير رد الباطل كما في طلب جعل الإله، ولا طلب الدليل بهذا الطريق، ولا الجهل في الإلهيات بما يعرفه آحاد المعتزلة.
وعلى الثاني أن المعلق عليه استقرار الجبل عقيب النظر وهو حالة اندكاك يستحيل معها الاستقرار. وردَّ بأنه ممكن ضرورة وإن لم يقع ليلزم وقوع الرؤية، وإنما المستحيل اجتماعهما.
والآيات الأخر تدل على وقوع الرؤية، إذ النظر الموصول بإلى إما بمعنى الرؤية أو ملزوم لها، أو مجاز متعين فيها، وكذا اللقاء بشهادة العقل والنقل والاستعمال والعرف.
وما يقال: إن "النظر" قد يكون بمعنى الانتظار و"إلى" قد تكون اسما بمعنى النعمة. والنظر قد يتصف بما لا يتصف به الرؤية كالشدة والازورار، ونحوهما، وقد يوجد بدونهما مثل نظرت إلى الهلال فلم أره، وتقدير "إلى ثواب ربها" احتمال ظاهر منقول، فقد رُدَّ بأن الانتظار لا يلائم سوق الآية ولا يليق بدار الثواب، وكون إلى ههنا حرفا ظاهر لم يعدل عنه السلف.
وجعل النظر الموصول بإلى للانتظار تعسف. وكذا العدول عن الحقيقة أو المجاز المشهور إلى الحذف بلا قرينة معيِّنةٍ، كما في المقاصد.
وأما الأحاديث المشهورة الدالة على وقوع الرؤية، فكثيرة أشهرها ما ذكره حيث (قال في رواية القاضي) ابن عبد الباقي (الأنصاري و) ابن عبد الله بن خسرو ( البلخي) والقاضي أبي زكريا موسى ( الحصكفي: حدثني إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي زكريا البجلي) التابعي الجليل، روى عن العشرة المبشرة ( عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ليلة البدر لا تَضَامُّونَ في رُؤْيَتِهِ" بفتح أوله وتشديد الميم وحذف إحدى التاءين: أي لا ينضمن بعضكم إلى بعض في وقت النظر لما ينوبه من المشقة بسبب الإشكال والاختفاء.
وفي رواية بضم أوله وتخفيف الميم من الضيم –تُضامُونَ- أي لا يلحقكم في رؤيته ضيم ومشقة، ويعضدها رواية "لا تضارون" من المضارة بمعنى المضايقة: أي لا تضايقون في الرؤية غيركم بحيث تلحقون الضرر بهم، بل يرى كل أحد كما ينبغي، ففيه كشف عن وجه تشبيه الرؤية، وأنها تقع على الانكشاف التام، ودفع لإيهام تشبيه المرئي بالمرئي في المقام، وهو حديث مشهور روى القدر المشترك منه شبعة وعشرون صحابيا رواه أمير المؤمنين أبو بكر الصديق، وعلي وعبدالله بن عمر، وابن مسعود، وابن عباس وأُبيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وجرير بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وأبو رزين لقيط العقيلي، وجنادة بن أبي أُميَّة، وأنس بن مالك، وصهيب بن سنان، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وأبو أمامة الباهلي، وأبو بريدة وثوبان وعبد الله بن حارث الزبيدي، وعبادة بن الصامت، وفضالة بن عبيد، وبريدة، وعمارة بن رويبة الثقفي، وعدي بن حاتم الطائي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كما في شروح البخاري وروى منهم ثمانية وعشرون شيخا بأكثر من ستين طريقا.
ولما كان الأصوب في هذه المسألة أن يتمسك بالدلائل السمعية لكونها أسرع في إلزام المبتدعة، ثم معارضة شبههم بالأدلة العقلية كما ذكره أبو منصور الماتريدي، واختاره محققو الأشاعرة، أشار الإمام في المقام إلى ما يثبت به المرام، من الدلائل السمعية، وأشار إلى دفع شبه المبتدعة، معارضة بما ثبت مما حاله حال الرؤية في القرب والإقبال والمجاورة، أو ردَّاً للمختلف إلى المختلف، فإنه الطريقة المسلوكة للسلف دفعا لما تمسك به المخالفون. اهـ ، وشرع بعد ذلك في إيراد به الردود على المخالفين.
وقال الإمام السمرقندي في الصحائف: اتفق أهل السنة على جواز رؤية الله تعالى منزها عن المسامتة والمحاذاة والمكان خلافا لجميع الفرق. والمشبهة والكرامية وإن جوزوا رؤية الله تعالى لكنهم إنما جوزوا لاعتقاد كونه تعالى في المكان والجهة وأما بتقدير أن يكون تعالى منزها عن المكان والجهة فيحيلون رؤيته.
وهذا البحث مما ليس للعقل استقلال في إثباته وغاية سعينا ليست إلا بيان الجواز وهذا القدر كاف ههنا، إذ هو مع قول الصادق يفيد الغرض، ويبطل قول المنكرين، لأنهم يحيلونها.
وبيانه: أنَّا قد بينا في بحث الإدراكات أن إدراك الجزئي قد يكون بأن يدرك مثاله ويستدل بذلك المثال عليه وهو التخيل، والتوهم ، ويجوز فيها غيبوبة المدرك وقد يكون بأن يدرك نفسه بدون توسط المثال، ويجب أن يكون المدرك حاضرا ولذلك يسمى مشاهدة فالمشاهدة هي إدراك نفس الموجود فمن حصل له هذا النوع من الإدراك سواء كان بالحاسة أو لا يتحقق له المشاهدة ضرورة.
وإذا عرفت ذلك فنقول:
قد بيَّـنَّا في الصحيفة الخامسة أن الله تعالى كامل العلم، تام الإدراك لا يعزب عن عنه شيء فيكون مدركا للأشياء بأعيانها لامتناع التخيل، والتوهم عليه، وهويته الموجودة ليست غائبة عنه فيكون مدركا لنفس هويته الموجوده بدون توسط المثال، وإذا أدركها بدون التوسط تكون هويته الموجودة مشاهدة له فجاز على هويته المجردة من الأين والكيف أن تكون مشاهدة، فعلم أن هويته الموجودة قابلة للرؤية، فلم يبعد أن يخلق الله تعالى قوة هذا الإدراك في الباصرة بعد البعث، فجاز أن يرى إذا تجلى من غير تشبيه، ولا تكييف ولا محاذاة ولا مسامتة.اهـ
وهذا الكلام على اختصاره كبير الفائدة ويكفي في هذا المقام.
([56]) لما أثبت الإمام الطحاوي أصل الرؤية، بلا كيف ولا تشبيه، صرح بأنه لا يجوز لواحد أن يتوهم أنه يرى ربه كما يرى بقية الأشياء، فلا يجوز توهم الرؤية على نم معين بأن يقال إنها تكون مع كون الله تعالى مقابلا لنا ونحن مقابلين له، فإن هذا هو قول المشبهة، والمجسمة، وقد قال به ابن تيمية وادعى الإجماع على ذلك، بل ادعى أن هذا هو قول السلف والخلف من العلماء. وما هو إلا قول المبتدعة من المجسمة وغيرهم.
فالحاصل إذن أنه يجب علينا الإيمان بالرؤية ولكن لا يجوز لنا الخوض فيها وتشبيهها برؤية الأمور المخلوقة. فلا يجوز الركون إلى أوهامنا وأهوائنا في مثل ذلك الأمر. والواجب في ذلك كله أنه يجب التسليم لله تعالى. ورد علم حقيقة ذلك إليه عز وجل.
والاستسلام لله تعالى لم تطبقه إلا أهل السنة والجماعة. فإن المشبهة لما قالوا إننا لا نرى أحدا إلا إذا كان في جهة وحيز، واعتقدوا أننا نرى الله تعالى، قالوا بعد ذلك إنه تعالى يجب أن يكون في جهة وحيز. فهم لم يسلموا لله تعالى في هذا الأمر. وكذلك المعتزلة فإنهم قالوا: إذا كانت رؤية كل واحد من الأمور الموجودة لا تتم إلا بكونه في جهة وحيز، فلا يمكن أن رى الله تعالى إذن لأنه لا يمكن وجوده في جهة وحيز. فهؤلاء قاسوا الخالق على المخلوق فنفوا الرؤية، وأولئك قاسوا الخالق على المخلوق فأثبتوا الجهة والحيز والمقابلة !
وأما أهل السنة فإنهم قالوا: لما كان الله تعالى لا يمكن كونه في جهة ولا حيز. وثبت بالأدلة النقلية وقوع الرؤية، فإننا نقول بأنها رؤية لا في جهة ولا في حيز، فكما يرى المتحيز متحيزا، فكذلك يرى اللامتحيز لا متحيزا. فكل رؤية فهي مناسبة لما تكشف عنه. وأما حقيقتها فقد قالوا: إننا يكفينا أن نعرف ثبوتها، وأما حقيقتها فإننا نترك ذلك إلى عالمه عز وجل، ولما لم نكن نملك الآلات التي تؤهلنا للخوض في مثل هذه المباحث، فإننا نفوض العلم بحقيقة ذلك كله إلى الله تعالى، ونسلم له فيما أخبرنا.
([57]) أي إن الذي يدعي أن الرؤية لله تعالى تكون عن طريق حصول صورته فينا بهيئة وكيفية معينة، فإن هذه الرؤية ليست الرؤية التي يصح إثباتها لله تعالى، وهذا هو قول المشبهة، فإنهم يتوهمون أن رؤية الله تعالى إنما تكون بتوهم صورة وحصول هيئة في نفس الإنسان. وكيف يكون الأمر كذلك، والله تعالى منزه عن الكيف والصورة ؟!
([58]) وكما كان مذهب المشبهة باطلا، فإن مذهب من يحاول أن يعين حقيقة الرؤية باطل أيضا، لأن ذلك مما حجب عن عقل الإنسان، فلا توجد آلات ولا مقدمات العلم بذلك عندنا. وما كان كذلك فالأصل أن نتوقف فيه ولا نبادره بأفهامنا لأن ذلك يكون مرده إلى الخطأ والضلال.
([59]) هذه الفقرة تمثل منهجا يتفرد به أهل السنة والجماعة في التفويض لله والاعتراف أنه ليس كمثله شيء.
([60]) قال في القاموس: التعالي الارتفاع.اهـ. فقول الإمام الطحاوي تعالى الله أي ارتفع عن أن يكون له حد وركن وعضو وجهة، فهذا علو في الرتبة والمعنى، فحقيقة الله تعالى أجل من أن يكون لها ما ذكر. لأن هذه الأمور كلها صفات نقص وتستلزم الحاجة. والله تعالى ليس بحاجة لأحد غيره، بل كل ما سواه فهم بحاجة له.
([61]) الحدود جمع حدٍّ، وحد الشيء هو طرفه ونهايته. قال في القاموس: الحَدُّ: الحاجِزُ بينَ شَيْئَيْنِ، ومُنْتَهى الشيءِ، وـ من كُلِّ شيءٍ: حِدَّتُهُ، وـ مِنْكَ: بأسُكَ، وـ من الشَّرابِ: سَوْرَتُهُ، والدَّفْعُ، والمَنْعُ، كالحَدَدِ، وتأديبُ المُذْنِبِ بما يَمْنَعُهُ وغيرَهُ عن الذَّنْبِ، وما يَعْتَرِي الإنْسانَ من الغضبِ والنَّزَقِ، كالحِدَّةِ، وقد حَدَدْتُ عليه أحِدُّ، وتمييزُ الشيءِ عنِ الشيءِ، ودارِي حَديدَةُ دارِهِ، ومُحادَّتُها: حَدُّها كحَدِّها.اهـ
وقال الفيومي في المصباح المنير: وحددت الدار حدّا من باب قتل :ميزتها عن مجاوراتها بذكر نهاياتها، وحددته حدّا جلدته والحد في اللغة الفصل والمنع.اهـ
وأما قوله الغايات فهو جمع غاية، وغاية الشيء هي منتهاه قال في القاموس: والغاية المَدَى.اهـ
وقال الفيومي في المصباح المنير: والغاية المدى، والجمع غايٌ وغايات، والغاية الراية والجمع غايات، وغيَّيْتُ غاية بيَّنتُها وغايتك أن تفعل كذا أي نهاية طاقتك أو فعلك.اهـ
والحاصل كما رأيتَ مما هو مذكور في كتب اللغة أن حدَّ الشيء هو طرفة وغايته ونهايته التي تميزه عن غيره. وهذا كما هو معلوم لا يستلزم أن كل ما هو متميز عن غيره فيجب أن يكون له طرف ونهاية وغاية، وحدٌّ، بل كل ما هو محدود فهو متميز عن غيره، ولا يقال أن كل ما هو متميز عن غيره فهو محدود. فافهم هذا فإن المجسمة عندما لم يتنبهوا له وقعوا في التشبيه.
وكذلك الغاية هي النهاية وقد أتى الإمام الطحاوي بهذه الكلمة تفسيرا وتوضيحا لكلمة الحد، وقد رأينا أن معناهما قريب ويؤولان إلى بعضهما البعض.
ولهذا فقد نبه إليه الإمام الطحاوي فنفى الحدود عن الله تعالى، ولكنه لم ينف التمايز، فإن تميز الله تعالى عن خلقه لا يكون بالحد ولا بالنهاية، ولا بالغاية.
ذلك كان المعنى المفهوم باللغة من الحد والغاية. والله تعالى منزه عن ذلك كله، لما يترتب عليه من احتياج. ولعدم وروده في الشريعة، بل لورود ما ينفيه وينافيه فيها، ولورود أقوال كثير من السلف في نفي الحد والغاية عنه جل شأنه. والذين أثبتوا له تعالى الحد والغاية هم المجسمة والمشبهة. وأما أهل السنة فقد نفوا عنه ذلك نفيا قاطعا.
لقد مرَّ سابقا أن الله تعالى لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، ومعلوم أن كل موجود سوى الله تعالى فهو محدود، فالسماء والأرض محدودة ولها نهايات ومقادير. فإذا كان الله تعالى له حدٌّ فإنه يكون مثل المخلوقات وكيف يكون ذلك صحيحا وهو ليس كمثله شيء.
وأيضا فإن الحدَّ صفة نقص، فإنه من المعلوم أن غير المحدود أقوى من المحدود، وتفصيل ذلك أن الحدَّ إما أن يكون من قبيل المكان أو الزمان. ومعنى الحد المكاني هو إحاطة المكان بالذات، ومعلوم أن الذات إذا كانت محاطة بالحد المكاني فإن قدرتها تكون محدودة بالحد المكاني الثابت لها، فالحد المكاني صفة نقص إذن.
وأما الزمان فإن الذات إذا كانت محدودة بالزمان، فإنها تنعدم خارج هذا الحد الزماني. فالحد الزماني مقيد لها ومحدد لوجودها، وواضح أن هذا نقص.
فالزمان والمكان إذن صفات نقص، والله تعالى لا يمكن أن يتصف بصفات نقص. إذن فهو جل شأنه لا يمكن أن يتصف بالحدود.
ومعلوم أن الحد الذي قصده الإمام الطحاوي هو من قبيل الحد المكاني، وقد تبين لك أن المكان أصلا نقص للذات المتمكنة. فهو بنفيه للحد المكاني يكون قد قصد نفي أصل المكان عن الله تعالى.
وتأمل قوله "وتعالى الله عن الحدود" فهو ينفي مطلق الحدود عن الله تعالى، ولا ينفي حدا معينا، بل كل ما كان من قبيل الحدود فإنه منفي عنه جل شأنه. وهذا يعم الحد المكاني والزماني. ويعم الحد المعنوي أيضا، بمعنى أن قدرته تعالى ليست محدودة، بل هي متعلقة بجميع الممكنات، وعلمه تعالى متعلق بجميع الواجبات والمستحيلات والممكنات. وكذلك فيما يتعلق بباقي الصفات العلية.
وقد يقال إن كلامه يشمل أيضا الحد بمعنى أن يذكر لله تعالى حدٌّ بمعنى التعريف، وهو ممتنع على الله تعالى، لأن الحد المنطقي يستلزم ثبوت الجنس أو النوع وعلى كل حال يستلزم الاشتراك بينه تعالى وبين غيره، وهذا ممنوع. فلا يعلم حقيقة ذاته أحد غيره، ولا يوجد حد يمكن للبشر أن يقولوه فيعرفون به حقيقته تعالى.
كل هذه المعاني يمكن أن تفهم من كلامه رضي الله تعالى عنه. وقد يكون في الأخير فقط تكلف. فتأمل.
وقد يقول قائل: فما دام الأمر واضحا إلى هذا القدر، أي ما دام نفي الحدود عنه تعالى واضحا، فمن الذي خالف فيه وأثبت الحد لله تعالى.
قلنا: ذكر الإمام البغدادي في كتاب التبصرة البغدادية المسمى بأصول الدين الفرق التي أثبتت الحد لله تعالى فقال في ص73:"المسألة الخامسة من الأصل الثالث في نفي الحد والنهاية عن الصانع، وهذه المسألة مع فرق،منها الهشامية من غلاة الروافض الذين زعموا أن معبودهم سبعة أشبار بشبر نفسه، ومنهم من قال إنَّ الجبل أعظم منه كما حكي عن هشام بن الحكم، والخلاف الثاني مع الكراميَّة الذين زعموا أن له حدا واحدا من جهة السفل، ومنها يلاقي العرش، والخلاف الثالث مع من زعم من مشبهة الرافضة أنه على مقدار مساحة العرش لا يفضل من أحدهما عن الآخر شيء.اهـ فهذه الفرق هي التي قالت إن الله تعالى محدود، واعلم أن القاضي أبا يعلى الحنبلي قال بأن الله تعالى محدود من جهة العرش، فهو محدود عنده بحد واحد فقط، وأن ابن تيمية لم يرتض ذلك، بل قال إن الله تعالى محدود من سائر الجهات الست، وادعى هذا كعادته أن هذا هو قول أهل السنة. وقد قال ابن تيمية بأن الله تعالى له قدر معين ويريد بالقدر معنى الحجم، فله حيز بمعنى الحجم المعين وقد صرح بهذا في أكثر من موضع في كتبه.
وقد رأينا أن الإمام الطحاوي قد نفى الحدود مطلقا عن الله تعالى، فشمل ذلك الحد الواحد والحدود وإن تعددت، كما مضى بيانه.
وممن نفى الحد برواية مشهورة عنه الإمام الحافظ أبن حبان، فقام عليه مجسمة بلدته، وأخرجوه منها. وممن روى ذلك موافقا لهؤلاء المجسمة أبو ذر الهروي صاحب كتاب ذم الكلام، فقد قال في كتابه ص278:"وسألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم بن حبان البستي قلت له، أرأيته، قال: كيف لم أره، ونحن أخرجناه من سجستان، كان له علم كبير ولم يكن له كثير دين، قدم علينا فأنكر الحد لله فأخرجناه من سجستان. "
وروى أبو ذر الهروي أيضا قال: "سمعت عبد الصمد بن صالح يقول، سمعت أبي يقول: أنكروا على ابن حبان قوله النبوة العلم والعمل، فحكموا عليه بالزندقة، وهُجِرَ فكتب فيه إلى الخليفة، فكتب بقتله. وسمعت غيره يقول: لذلك خرج إلى سمرقند".اهـ
هذه هي منزلة ابن حبان عند هذا المجسم الكبير، وابن حبان إمام كبير لا يخفض من منزلته أن يروي عنه مجسم كالهروي أخبارا كهذه، وليت شعري، فإذا كان ابن حبان باعتراف هؤلاء ينفي الحد، وهم كانوا يثبتونه، فمن الأولى بالتشنيع والهجر، آلذي ينزه ربه أم الذي يشبهه بخلقه؟!
وقد أشار الإمام العلامة تاج الدين ابن السبكي إلى هذه الحادثة في كتابه المفيد طبقات الشافعية الكبرى(2/13) فقال:"ومن ذلك قول بعض المجسمة في أبي حاتم ابن حِبَّان:لم يكن له كبير دين، نحن أخرجناه من سجستان، لأنه أنكر الحد لله. فياليت شعري من أحق بالإخراج؟ من يجعل ربَّه محدودا أو من ينزهه عن الجسمية.؟"
وممن أثبت الحدَّ أبو سعيد الدارمي المجسم المشهور، فقد قال في كتابه في الرد على بشر المريسي ص23:"وادعى المعارض أيضا أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية"، ثم قال:"قال أبو سعيد: والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره، ولا يجوز لأحد أن يتوهم لحده غاية في نفسه، ولكن نؤمن بالحد، ونكل علم ذلك إلى الله. ولمكانه أيضا حد، وهو على عرشه فوق سمواته، فهذان حدان اثنان". ثم قال في صفحة 24:"فمن ادعى أنه ليس لله حد فقد ردَّ القرآن".اهـ
فتأمل في قول هذا الجاهل كيف يغالي في إثبات الحد هتى يجعله ثابتا في القرآن، ويكفر من ينفيه؟! وقارن بينه وبين قول الإمام أبي جعفر الطحاوي بنفي الحدود والنهايات والغايات.
([62]) قال في القاموس: والرُّكْنُ. بالضم: الجانِبُ الاقْوَى.اهـ
وقال الفيومي في المصباح المنير: وركن الشيء جانبه، والجمع أركان مثل قفل وأقفال، فأركان الشيء أجزاء ماهيته، والشروط ما توقف صحة الأركان عليها. اهـ
وأما معنى العضو فقد قال في القاموس: العُضْو، و بالضم والكسر: كلُّ لَحْمٍ وافِرٍ بِعَظْمِهِ. والتَّعْضِيَةُ: التَّجْزِئَةُ، والتَّفْرِيقُ، كالعَضْوِ.اهـ
وقال الفيومي في المصباح المنير: والعضة القطعة من الشيء، والجزء منه، ولامها واو محذوفة والأصل عضوة، والجمع عضون على غير قياس، مثل سنين، والعضو كل عظم وافر من الجسد، قاله في مختصر العين. وضم العين أشهر من كسرها، والجمع أعضاء. وعضَّيت الذبيحة بالتشديد: جعلتها أعضاء.اهـ
وقال الفيروزآبادي في باب الإداوة: والأَداةُ: الآلةُ ج: أَدَواتٌ.اهـ وكذا قال الفيومي في مصباحه.
فهذا ما يتعلق بالمعاني لالغوية لهذه الألفاظ الثلاثثة، وأنت ترى أن جميعها يدور على معنى واحد هو الجزء للذات والتبعيض عليها. والإمام الطحاوي قد نفى جميع هذه الألفاظ من حيث ما تدل عليه من المعاني المذكورة، إذن تعرف من هذا أن أهل السنة ينفون أن يكون الله تعالى مركبا من أعضاء وأجزاء، وآلات، كما يتوهم المجسمة.
والمجسمة علامتهم أنهم يثبتون اليد مثلا لله تعالى، ولا ينفون كونها جارحة أو عضوا، ويتعللون بأن نفي الأعضاء والأدوات لم يرد لا في كتاب ولا في سنة، يتسترون بذلك القول على فضائحهم في اعتقاد التجسيم. ونحن نرى ههنا أن الإمام الطحاوي قد نفى مطلقا الأعضاء والأركان والأدوات، ولم يتوقف في ذلك، ولم يقل إن لله تعالى يدا هي عضو له أو هي ركن له أو جزء منه، ولم يقل مطلقا أن لله تعالى أركانا تليق بذاته، كما يقول هؤلاء الحشوية المجسمة.
([63]) الجهات جمع جهة. قال ابن فارس في معجم المقاييس :الواو والجيم والهاء أصل واحد يدل على مقابلة لشيء، والوجه مستقبل كل شيء، يقال وجه الرجل وغيره، وربما عبر عن الذات بالوجه..وواجهت فلانا جعلت وجهي تلقاء وجهه….والوِجهة كل موضع استقبلته.اهـ
وقال الفيروزآبادي في القاموس: والوُِجْهُ، بالضم والكسر: الجانِبُ، والناحِيَةُ.اهـ وقال: والجِهَةُ، بالكسر والضم: الناحِيةُ، كالوَجْهِ والوِجْهَةِ، بالكسر، ج: جِهاتٌ.اهـ
وقال الفيومي في المصباح: والوجه مستقبل كل شيء، وربما عبر بالوجه عن الذات، ويقال واجهته إذا استقبلت وجهه بوجهك، ووجَّهت الشيء جعلته على جهة واحدة ووجَّهته إلى القبلة فتوجه إليها، والوِجهة بكسر الواو قيل مثل الوجه وقيل كل مكان استقبلته، وتحذف الواو فيقال جهة، مثل عِدَة، وهو أحسن القوم وجها.اهـ
([64]) الستُّ، صفة للجهات، وذلك لأن الجهات والنواحي التي يتوجه إليها الإنسان في حركته هي ست، تابعة لحركته، وهذه الجهات هي الأمام والخلف والفوق والتحت واليمين والشمال. فالحاصل من كلام الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى أن الله لا يقال إنه في أي جهة من الجهات الست.
([65]) يعني أن كل شيء من المبتدعات أي المخلوقات فهو في جهة وله جهة، وأما الله تعالى فلما كان ليس كمثله شيء، فهو جل شأنه موجود بلا جهة ولا ناحية.
وهذا الكلام يفهم منه أن الله تعالى لا يجوز أن يكون في جهة ولا في جهات، فالإمام الطحاوي يرد على كل من القائلين بوحدة الوجود والقائلين بالتجسيم وكون الله تعالى على العرش قاعدا. فإن الله تعالى لو كان في جهة فإنه يكون على العرش مستقرا جالسا قاعدا كما شاء وبالكيفية التي أراد، على حد قول المجسمة، وبهذا فهو يكون في جهة من الجهات، وهو بهذا يكون قد شابه بعض مخلوقاته. وأما لو كان في جميع الجهات، فإنه يكون حالَّا في العالم ويؤدي إلى القول بوحدة الوجود، وهو قول باطل. والإمام الطحاوي كما ترى قد ردَّ بكلامه السابق على كلا هاتين الطائفتين، وذلك لأنه قد نفى الكون في الجهات الست، وهذا شامل للكون في جهة من الجهات الست، وللكون في سائر الجهات الست.
ونحن إذ وصلنا إلى هذا الحد نحب أن نذكرك بقول الإمام الطحاوي المار آنفا:" ومن وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر فقد كفر"، فهذه العبارة كانت عامة أو مطلقة، وإنه الآن قد وضح ما هي المعاني الثابتة للبشر والتي لا يجوز لأحد أن يثبتها لله تعالى، والتي من أثبتها لله تعالى فإنه كافر كما نص عليه الإمام الطحاوي. وهذه المعاني هي الجهة والحد أو الحدود، والأعضاء. وتنبه إلى قوله أن من أثبت لله تعالى هذه المعاني، فإنه كافر، فقد رتب الحكم بالتكفير على مجرد إثبات هذه المعاني، ولم يرتب الحكم على إطلاق هذا الاسم، ويفهم من ذلك أن من أطلق الاسم وأراد هذه المعاني فهو كافر. ومن أطلقه ولم يرد هذه المعاني فلا يجزم بكفره، وأما من لم يطلقه ولكنه أراد هذه المعاني فإنه كافر بالله تعالى العظيم. هذا هو المفهوم من كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى.
فالحالة الوحيدة التي تحتمل التفصيل عنده، هي من أطلق اللفظ ولم يكن هناك دليل على إرادته لهذه المعاني، فهذا ما الحكم فيه، هل يكفر أو لا. الظاهر والله تعالى أعلم أنه إذا كان المتبادر من اللفظ هذه المعاني ولم توجد قرينة من المتكلم لتصرف اللفظ عن هذا الظاهر، فإنه كافر، وأما إذا لم يكن كذلك، فإنه لا يكفر، بل يبتدع ويفسق، لأنه أطلق على الله تعالى لفظا موهما للنقص وغير وارد في الشريعة المطهرة ولم يدل على إرادته نفي هذا النقص عن الله تعالى.
([66]) قال صاحب الجوهري في الصحاح:عَرَجَ في الدرجة والسلم يعرُجُ عُروجا، إذا ارتقى. وقال: والمعراج السلم ومنه ليلة المعراج والجمع معارج ومعاريج، والمعارج المصاعد.اهـ
([67]) قال الفيومي في المصباح: سريت الليل وسريت به سَريا والاسم السِّراية إذا قطعته بالسير وأسريت بالألف لغة حجازية، ويستعملان متعديين بالباء إلى مفعول فيقال سريت بزيد وأسريت به.اهـ
وقال الجوهري في الصحاح: وسَرَيت سُرىً ومَسْرىً وأسْرَيْتُ بمعنىً، إذا سرت ليلا، وبالألف لغة أهل الحجاز، وجاء القرآن بهما جميعا. ثم قال: وإنما قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)وإن كان السُّرى لا يكون إلا بالليل، للتأكيد، كقولهم سِرْتُ أمسِ نهارا، والبارحة ليلا. اهـ
([68]) قال الفيومي في المصباح: والشخص سواد الإنسان تراه من بعد،ثم استعمل في ذاته، قال الخطابي ولا يسمى شخصا إلا جسم مؤلف له شخوص وارتفاع.اهـ
([69]) قال الفيومي في المصباح:سما يسمو سموا علا ومنه يقال سمت همته إلى المعالي إذا طلب العز والشرف. والسماء المظلة للأرض، وقال السماء السقف وكل عال مظل سماء حتى يقال لظهر الفرس سماء.اهـ
وقال الجوهري:والسمو الارتفاع والعلو، تقول سموت وسميت مثل علوت وعليتُ، وسلوت وسليتُ-عن ثعلب. وفلان لا يسامى، وقد علا من ساماه.اهـ
([70]) والإسراء كما مضى تفسيره، هو المسير في الليل، وقد أسرى الله تعالى بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به وصعد به من هناك إلى السموات العلا وإلى حيث شاء. هذا الأمر لا ينبغي أن ينكره واحد ممن ينتسب إلى الدين الإسلامي بحجة أو بدون حجة، فلا يجوز القول بأن هذا الانتقال يستحيل في ليلة واحدة! بل إن هذا مما يجوز عقلا ولا يستحيل إلا في العادة البشرية، ففي ذلك الزمان كان قطع المسافة من مكة إلى بيت المقدس في ليلة مستحيلا عادة، وأما في أيامنا هذه فإننا نقطع أكثر منها في ساعة، فلا وجه لاستحالة ذلك من هذا الجانب إذن.
وقد ثبت الإسراء في القرآن الكريم، قال UQ )بِسْم اللهِ الرَحمن الرَحيم سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير((1)
وقال العلامة أكمل الدين البابرتي في شرحه على الطحاوية ص80: "قال بعضهم المعراج ثابت بالكتاب أيضا وهو قوله تعالى)ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى((النجم والصحيح أن هذا القرب كان مع جبريل، ويدل عليه قوله تعالى)وهو بالأفق الأعلى((النجم 7)، وذلك أن رسول الله r سأل جبريل أن يريه نفسه على صورته التي خلقه الله عليها، فواعده ذذلك بغار حراء فطلع له جبريل عليه السلام من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، ثم دنا فتدلى. هذا من باب القلب أي ثم تدنى جبريل فدنا من محمد عليه السلام، وكان منه قاب قوسين أي قدر مسافة قوسين أو أدنى، والمعنى أنه بعدما رآه النبي عليه السلام على صورته هاله من عظمته فرده الله إلى صورة آدمي حتى قرب منه للوحي وذلك قوله)فأوحى إلى عبده ما أوحى((النجم 10) أي عبد الله وهو محمد عليه السلام ما أوحى الله عز وجل بلسان جبريل."اهـ ، وقال البيهقي في الأسماء والصفات ص436:"قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى في تقدير قوله )ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى( على ما تأوله ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما من رؤيته r جبريل عليه السلام في صورته التي خلق عليها، والدنو منه عند المقام الذي رفع إليه وأقيم فيه قوله)دنا فتدلى( المعنى به جبريل عليه السلام تدلى من مقامه الذي جعل له في الأفق الأعلى فاستوى أي وقف وقفة ثم دنا فتدلى أي نزل حتى كان بينه وبين المصعد الذي رفع إليه محمد r قاب قوسين أو أدنى، فيما يراه الرائي ويقدره المقدر.
وروى الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتاب الأسماء والصفات ص433 في باب ما جاء في قول UQ )ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى( عن عبدالله رضي الله عنه في هذه الآية)فكان قاب قوسين أو أدنى(، قال رسول الله r "رأيت جبريل عليه الصلاة والسلام له ستمائة جناح" رواه البخاري في الصحيح عن أبي النعمان عن عبد الواحد بن زياد. وروى بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي r رأيى جبريل عليه الصلاة والسلام له ستمائة جناح".وذكر أنه رواه الإمام مسلم أيضا في صحيحه عن أبي الربيع.
قال الإمام العلامة التفتازاني في شرح العقائد النسفية ص194:"فالإسراء من المسجد الحرام إلى بيت المقدس قطعي ثبت بالكتاب، والمعراج من الأرض إلى السماء مشهور ومن السماء إلى الجنة أو العرش أو غير ذلك آحاد. ثم الصحيح أنه عليه السلام إنما رأى ربه بفؤاده لا بعينه."اهـ. وخالفه الملا أحمد الجندي في حاشيته وقال:" قد سبق أن مذهب الشيخ الأشعري أنه رآه بعينه وهو الصحيح لجزم ابن عباس وغيره به، ومثله لا يقال من قبل الرأي، ولأنه ممكن دلت عليه الظواهر."اهـ قلت: والأصح ما قاله السعد، لحصول الاختلاف بين الصحابة في ذلك، ولو حصلت الرؤية بالعين لاشتهرت بينهم حتى لم يحدث خلاف، كعدمه في الرؤية بالعين.والله أعلم.
وخبر الإسراء مشهور في كتب الحديث، وسوف نكتفي بإيراد قسم من رواياته، فمنها ما رواه الإمام البخاري عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله تعالى عنهما أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصه إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت فردا ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت إلى إدريس قال هذا إدريس فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قال مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا إبراهيم قال هذا أبوك فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال هذه سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذان يا جبريل قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن فقال هي الفطرة أنت عليها وأمتك ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matoury25.ahlamountada.com
العروابي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 158
نقاط : 2899
تاريخ التسجيل : 16/01/2010
الموقع : ام هجيليجة

مُساهمةموضوع: رد: متن العقيدة الطحاوية   مايو 30th 2010, 20:38

([76]) هذا إشارة إلى الحديث الذي رواه البخاري عن عمران قال قلت يا رسول الله فيما يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له.
وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب قال لما نزلت هذه الآية { فمنهم شقي وسعيد } سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا نبي الله فعلى ما نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه قال بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر.
وفي السنن الكبرى للبيهقي عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من النار قال نعم قال ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له.
وفي المعجم الكبير للطبراني طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال سمعت أبي قال سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول قلت يا رسول الله أنعمل على أمر قد فرغ منه أم على أمر مؤتنف قال بل على أمر قد فرغ منه قلت ففيم العمل يا رسول الله قال كل ميسر لما خلق له.
ولفظ الإمام مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال فقال نعم قال قيل ففيم يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له.
قال الإمام ابن حجر في (11/493):" وفي كتاب الاعتصام قوله قال رجل هو عمران بن حصين راوي الخبر بينه عبد الوارث بن سعيد عن يزيد الرشك عن عمران بن حصين قال قلت يا رسول الله فذكره وسيأتي موصولا في اواخر كتاب التوحيد وسأل عن ذلك اخرون وسيأتي مزيد بسط فيه في شر حديث علي قريبا قوله أيعرف أهل الجنة من أهل النار في رواية حماد بن زيد عن يزيد عند مسلم بلفظ اعلم بضم العين والمراد بالسؤال معرفة الملائكة أو من اطلعه الله على ذلك واما معرفة العامل أو من شاهده فإنما يعرف بالعمل قوله فلم يعمل العاملون في رواية حماد ففيم وهو استفهام والمعنى إذا سبق القلم بذلك فلا يحتاج العامل الى العمل لأنه سيصير الى ما قدر له قوله قال كل يعمل لما خلق له أو لما ييسر له وفي رواي الكشميهني يسر بضم أوله وكسر المهملة الثقيلة وفي رواية حماد المشار إليها قال كل ميسر لما خلق له وقد جاء هذا الكلام الأخير عن جماعة من الصحابة بهذا اللفظ يزيدون على العشرة سأشير إليها في آخر الباب الذي بلى الذي يليه منها حديث أبي الدرداء عند أحمد بسند حسن بلفظ كل امرئ مهيأ لما خلق له وفي الحديث إشارة إلى أن المآل محجوب عن المكلف فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به فإن علمه أمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبا وان كان بعضهم قد يختم له بغير ذلك كما ثبت في حديث بن مسعود وغيره لكن لا اطلاع له على ذلك فعليه أن يبذل جهده ويجاهد نفسه في عمل الطاعة لا يترك وكولا إلى ما يؤول إليه أمره فيلام على ترك المأمور ويستحق العقوبة وقد ترجم بن حبان بحديث الباب ما يجب على المرء من التشمير في الطاعات وان جرى قبلها ما يكره الله من المحظورات ولمسلم من طريق أبي الأسود عن عمران انه قال له أرأيت ما يعمل الناس اليوم أشيء قضى عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم فقال لا بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها وفيه قصة لأبي الأسود الدؤلي مع عمران وفيه قوله له أيكون ذلك ظلما فقال لا كل شيء خلق الله وملك يده فلا يسأل عما يفعل قال عياض أورد عمران على أبي الأسود شبهة القدرية من تحكمهم على الله ودخولهم بآرائهم في حكمه فلما أجابه بما دل على ثباته في الدين قواه بذكر الآية وهي حد لأهل السنة وقوله كل شيء خلق الله وملكه يشير إلى أن المالك الأعلى الخالق الآمر لا يعترض عليه إذا تصرف في ملكه بما يشاء وانما يعترض على المخلوق المأمور".اهـ
وقال أيضا في الفتح (13/522): "قوله باب قول الله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قيل المراد بالذكر الأذكار والاتعاظ وقيل الحفظ وهو مقتضى قول مجاهد قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم كل ميسر لما خلق له فذكره موصولا في الباب من حديث علي قوله وقال مجاهد يسرنا القرآن بلسانك هوناه عليك في رواية غير أبي ذر هونا قراءته عليك وهو بفتح الهاء والواو وتشديد النون من التهوين وقد وصله الفريابي عن ورقاء عن بن أبي نجيع عن مجاهد في قوله تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر قال هوناه قال بن بطال تيسير القرآن تسهيله على لسان القارىء حتى يسارع الى قراءته فربما سبق لسانه في القراءة فيجاوز الحرف الى ما بعده ويحذف الكلمة حرصا على ما بعدها انتهى وفي دخول هذا في المراد نظر كبير قوله وقال مطر الورق ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر قال هل من طالب علم فيعان عليه وقع هذا التعليق عند أبي ذر عن الكشميهني وحده وثبت أيضا للجرجاني عن الفربري ووصله الفرياني عن ضمرة بن زمعة عن عبد الله بن شوذب عن مطر وأخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب العلم من طريق ضمرة ثم ذكر حديث عمران بن حصين قلت يا رسول الله فيما يعمل العاملون قال كل ميسر لما خلق له وهو مختصر من حديث سبق في كتاب القدر فيه عن عمران قال قال رجل يا رسول الله أيعرف أهل الجنة من أهل النار قال نعم قال فلم يعمد العاملون وقد تقدم شرحه هناك ويزيد شيخ عبد الوارث فيه هو المعروف بالرشك وتقدم هناك من رواية شعبة قال حدثنا يزيد الرشك فذكره وحديث علي رضي الله عنه وفيه وما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار أومن الجنة وتقدم شرحه هناك أيضا وفيه وفي حديث عمران الذي قبله كل ميسر قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في شرح حديث أبي سعيد المذكور في باب كلام الله مع أهل الجنة فيه نداء الله تعالى لأهل الجنة لقرينة جوابهم بلبيك وسعديك والمراجعة بقوله هل رضيتم وقولهم وما لنا لا نرضى وقوله ألا أعطيكم أفضل وقولهم يا ربنا وأي شيء أفضل وقوله أحل عليكم رضواني فان ذلك كله يدل على انه سبحانه وتعالى هو الذي كلمهم وكلامه قديم أزلي ميسر بلغة العرب والنظر في كيفيته ممنوع ولا نقول بالحلول في المحدث وهي الحروف ولا انه دل عليه وليس بموجود بل الإيمان بأنه منزل حق ميسر باللغة العربية صدق وبالله التوفيق قال الكرماني حاصل الكلام انهم قالوا إذا كان الأمر مقدرا فلنترك المشقة في العمل الذي من أجلها سمي بالتكليف وحاصل الجواب ان كل من خلق لشيء يسر لعمله فلا مشقة مع التيسير وقال الخطابي أرادوا أن يتخذوا ما سبق حجة في ترك العمل فأخبره إن هنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر باطن وهو ما اقتضاه حكم الربوبية وظاهر وهو السمة اللازمة بحق العبودية وهو امارة للعاقبة فبين لهم أن العمل في العاجل يظهر أثره في الآجل وان الظاهر لا يترك للباطن قلت وكأن مناسبة هذا الباب لما قبله من جهة الاشتراك في لفظ التيسير والله أعلم".اهـ
([77]) رواه الإمام البخاري في صحيحه عن سهل أن رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر النبي صلى الله عليه وسلم فقال من أحب أن ينظر إلى الرجل من أهل النار فلينظر إلى هذا فأتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جرح فاستعجل الموت فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه فأقبل الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعا فقال أشهد أنك رسول الله فقال وما ذاك قال قلت لفلان من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين فعرفت أنه لا يموت على ذلك فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار الأعمال بالخواتيم.
وهو عن سهل بن سعد أيضا في المعجم الكبير للطبراني. ورواه الطبراني عنه أيضا بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم.
وفي صحيح ابن حبان عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما الأعمال بالخواتيم.

([78]) روى البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا يقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا أراد أن يقضي خلقه قال أذكر أم أنثى شقي أم سعيد فما الرزق والأجل فيكتب في بطن أمه. وله في رواية أخرى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله وكل في الرحم ملكا فيقول يا رب نطفة يا رب علقة يا رب مضغة فإذا أراد أن يخلقها قال يا رب أذكر يا رب أنثى يا رب شقي أم سعيد فما الرزق فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه.
وفي المعجم الصغير للطبراني عن عبد الله بن مسعود حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يأتي الملك فيكتب شقي أو سعيد ذكر أو أنثى لم يروه عن بن عون إلا عبيد الله بن سفيان. وزاد في رواية أخرى عنه ويكتب الملك ثم يقول أي رب شقي أو سعيد فيقضي الله عز وجل ويكتب الملك ثم يقول أي رب أجله ورزقه وأثره فيقضي الله عز وجل ويكتب الملك.
وفي مسند الإمام أحمد ن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما أو أربعين ليلة بعث إليها ملكا فيقول يا رب ما رزقه فيقال له فيقول يا رب ما أجله فيقال له فيقول يا رب ذكر أو أنثى فيعلم فيقول يا رب شقي أم سعيد فيعلم. وفيه قريب من هذا اللفظ عن أنس أيضا.
وفي سنن أبي داود عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله ثم يكتب شقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو قيد ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.
([79]) روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني عن قيس بن عباد قال صلى بنا عمار رضي الله تعالى عنه صلاة كأنهم أنكروها فقالوا له في ذلك فقال ألم أتم الركوع والسجود قالوا بلى قال أما أني قد دعوت بدعاء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي اللهم إني أسألك كلمة الإخلاص في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وخشيتك في الغيب والشهادة وأسألك الرضا بالقدر وأسألك نعيما لا ينفذ وقرة عين لا تنقطع ولذة العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.
وروى الترمذي في جامعه الصحيح عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر حدثنا محمود بن غيلان حدثنا النضر بن شميل عن شعبة نحوه إلا أنه قال ربعي عن رجل عن علي قال أبو عيسى حديث أبي داود عن شعبة عندي أصح من حديث النضر روى غير واحد عن منصور عن ربعي عن علي حدثنا الجارودي قال سمعت وكيعا يقول بلغنا أن ربعيا لم يكذب في الإسلام كذبة.
وحدث الترمذي عن عبد الواحد بن سليم قال قدمت مكة فلقيت عطاء بن رباح فقلت له يا أبا محمد إن أهل البصرة يقولون في القدر قال يا بني أتقرأ القرآن قلت نعم قال فاقرأ الزخرف قال فقرأت { حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم }فقال أتدري ما أم الكتاب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السماوات وقبل أن يخلق الأرض فيه إن فرعون من أهل النار وفيه { تبت يدا أبي لهب وتب}قال عطاء فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ما كان وصية أبيك عند الموت قال دعاني أبي فقال لي يا بني اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره فإن مت على غير هذا دخلت النار إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد قال أبو عيسى وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وروى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على أناس جلوس فقال ألا أخبركم بخيركم من شركم قال فسكتوا فقال ذلك ثلاث مرات فقال رجل بلى يا رسول الله أخبرنا بخيرنا من شرنا قال خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.
وروى الترمذي أيضا عن يحيى بن يعمر قال أول من تكلم في القدر معبد الجهني قال فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حتى أتينا المدينة فقلنا لو لقينا رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألناه عما أحدث هؤلاء القوم قال فلقيناه يعني عبد الله بن عمر وهو خارج من المسجد قال فاكتنفته أنا وصاحبي قال فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت يا أبا عبد الرحمن إن قوما يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف قال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم برئ وأنهم مني برءاء والذي يحلف به عبد الله لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره قال ثم أنشأ يحدث فقال قال عمر بن الخطاب كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فألزق ركبته بركبته ثم قال يا محمد ما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره قال فما الإسلام قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان قال فما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك قال في كل ذلك يقول له صدقت قال فتعجبنا منه يسأله ويصدقه قال فمتى الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فما أمارتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان قال عمر فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بثلاث فقال يا عمر هل تدري من السائل ذاك جبريل أتاكم يعلمكم معالم دينكم حدثنا أحمد بن محمد أخبرنا بن المبارك أخبرنا كهمس بن الحسن بهذا الإسناد نحوه حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن معاذ عن كهمس بهذا الإسناد نحوه بمعناه وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح قد روي من غير وجه نحو هذا عن عمر وقد روي هذا الحديث عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح هو بن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: روى هذا الحديث النسائي في الكبرى وفي المجتبى من السنن. والطبراني في المعجم الكبير.
قلت: وهذا الحديث عند أبي داود أيضا، وابن ماجه
وروى الحاكم في المستدرك عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربع حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وقد قصر بروايته بعض أصحاب الثوري وهذا عندنا مما لا يعبأ.
وروى الحاكم أيضا عن نافع قال كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه فكتب إليه عبد الله بن عمر أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إلي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بأبي صخر حميد بن زياد ولم يخرجاه.
وروى الطبراني في المعجم الأوسط عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أخوف ما أخاف على أمتي الاستسقاء بالأنواء وحيف السلطان وتكذيب بالقدر لم يرو هذا الحديث عن فطر إلا محمد ولا يروى عن جابر بن سمرة إلا بهذا الإسناد.
وله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ويعلم أن ما أصابه لن يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه لم يرو هذا الحديث عن منصور بن زيد إلا عبد الله بن جعفر.
وله في المعجم الكبير عن خباب بن الأرت قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مبعثا فقلت يا رسول الله إنك تبعثني بعيدا وأنا أشفق عليك قال وما بلغ من شفقتك علي قلت أصبح فلا أظنك تمسي وأمسي فلا أظنك تصبح قال يا خباب خمس إن فعلت بهن رأيتني وإن لم تفعل بهن لم ترني فقلت يا رسول الله وما هن قال تعبد الله لا تشرك به شيئا وإن قطعت وحرقت وتؤمن بالقدر قلت يا رسول الله وما الإيمان بالقدر قال تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تشرب الخمر فإن خطيئتها تقرع الخطايا كما أن شجرتها تعلق الشجر وبر والديك وإن أمراك أن تخرج من الدنيا وتعتصم بحبل الجماعة فإن يد الله على الجماعة يا خباب إنك إن رأيتني يوم القيامة لم تفارقني.
وله في المعجم الكبير عن عطاء بن أبي رباح عن عمرو بن شعيب قال كنت عند سعيد بن المسيب جالسا فذكروا أن أقواما يقولون قدر الله كل شيء ما خلا الأعمال قال فوالله ما رأيت سعيد بن المسيب غضب غضبا أشد منه حتى هم بالقيام ثم سكن فقال تكلموا به أما والله لقد سمعت فيهم حديثا كفاهم به شرا ويحهم أو يعلمون فقلت يرحمك الله يا أبا محمد وما هو قال فنظر إلي وقد سكن بعض غضبه فقال حدثني رافع بن خديج أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون قوم من أمتي يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى قال قلت جعلت فداك يا رسول الله وكيف ذاك قال يقرون ببعض القدر ويكفرون ببعضه قال قلت ثم ما يقولون قال يقولون الخير من الله والشر من إبليس فيقرون على ذلك كتاب الله ويكفرون بالقرآن بعد الإيمان والمعرفة فما يلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء والجدال أولئك زنادقة هذه الأمة في زمانهم يكون ظلم السلطان فينالهم من ظلم وحيف وأثرة ثم يبعث الله عز وجل طاعونا فيفني عامتهم ثم يكون الخسف فما أقل ما ينجو منهم المؤمن يومئذ قليل فرحه شديد غمه ثم يكون المسخ فيمسخ الله عز وجل عامة أولئك قردة وخنازير ثم يخرج الدجال على أثر ذلك قريبا ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بكينا لبكائه قلنا ما يبكيك قال رحمة لهم الأشقياء لأن فيهم المتعبد ومنهم المجتهد مع أنهم ليسوا بأول من سبق إلى هذا القول وضاق بحمله ذرعا إن عامة من هلك من بني إسرائيل بالتكذيب بالقدر قلت جعلت فداك يا رسول الله فقل لي كيف الإيمان بالقدر قال تؤمن بالله وحده وإنه لا يملك معه أحد ضرا ولا نفعا وتؤمن بالجنة والنار وتعلم أن الله عز وجل خالقهما قبل خلق الخلق ثم خلق خلقه فجعلهم من شاء منهم للجنة ومن شاء منهم للنار عدلا ذلك منه وكل يعمل لما فرغ له وهو صائر إلى ما فرغ منه قلت صدق الله ورسوله.
وله في المعجم الكبير عن أبي الأسود الدؤلي قال خاصمت القدرية فأحرجوني فأتيت عمران بن الحصين الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا أبا نجيد خاصمت القدرية فأحرجوني فهل من حديث تحدثني لعل الله ينفعني به قال لعلي لو حدثتك حديثا لبست عليه أذنيك كأنك لم تسمعه فقلت إنما جئت لذلك فقال لو أن الله عذب أهل السماء وأهل الأرض عذبهم وهو غير ظالم ولو أدخلهم في رحمته كانت رحمته أوسع لهم من ذنوبهم فإذا هو كما قال الله عز وجل يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء فمن عذب فهو الحق ومن رحم فهو الحق ولو كانت الجبال لأحدكم ذهبا أو ورقا فأنفقها في سبيل الله ثم لم يؤمن بالقدر خيره وشره لم ينتفع بذلك فأتيت عبد الله بن مسعود فسألته فقال عبد الله لأبي بن كعب يا أبا المنذر حدثه فقال أبي يا أبا عبد الرحمن حدثه فحدث بن مسعود بمثل حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا فيه.
وفي سنن ابن ماجه عن بن الديلمي قال وقع في نفسي شيء من هذا القدر خشيت أن يفسد علي ديني وأمري فأتيت أبي بن كعب فقلت أبا المنذر إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشيت على ديني وأمري فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به فقال لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله فأتيت عبد الله فسألته فذكر مثل ما قال أبي وقال لي ولا عليك أن تأتي حذيفة فأتيت حذيفة فسألته فقال مثل ما قالا وقال ائت زيد بن ثابت فاسأله فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ولو كان لك مثل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار.
والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وما ذكرناه يكفي بتوفيق الله تعالى.
([80]) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قلت يا رسول الله إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فسكت عني ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر. قلت: وهذا الحديث في سنن البيهقي الكبرى وقال عنه حديث صحيح. وفي المجتبى من السنن للنسائي وصححه.
وروى الترمذي في الجامع الصحيح عن عبد الواحد بن سليم قال قدمت مكة فلقيت عطاء بن رباح فقلت له يا أبا محمد إن أهل البصرة يقولون في القدر قال يا بني أتقرأ القرآن قلت نعم قال فاقرأ الزخرف قال فقرأت { حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم }فقال أتدري ما أم الكتاب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه كتاب كتبه الله قبل أن يخلق السماوات وقبل أن يخلق الأرض فيه إن فرعون من أهل النار وفيه {تبت يدا أبي لهب وتب }قال عطاء فلقيت الوليد بن عبادة بن الصامت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ما كان وصية أبيك عند الموت قال دعاني أبي فقال لي يا بني اتق الله واعلم أنك لن تتقي الله حتى تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره فإن مت على غير هذا دخلت النار إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب قال اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد قال أبو عيسى وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وفي لفظ آخر : فلقيت عطاء بن أبي رباح فقلت له يا أبا محمد إن أناسا عندنا يقولون في القدر فقال عطاء لقيت الوليد بن عبادة بن الصامت قال حدثني أبي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد وفي الحديث قصة قال هذا حديث حسن.
وروى الترمذي عن عبد الله بن الديلمي قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله قال أبو عيسى هذا حديث حسن. وهذا الحديث عند الحاكم في المستدرك ولكن طويل وقال إن جميع رواته احتجوا بهم ولا يعلم له علة.
قال السيوطي في الديباج على مسلم(6/13): جفت به الأقلام أي التي كتبته في اللوح المحفوظ أي تمت كتابته وامتنعت في الزيادة والنقصان قال العلماء وكتاب الله ولوحه وقلمه والصحف المذكورة في الأحاديث كل ذلك مما يجب الإيمان به وأما كيفية ذلك وصفتها فعلمها إلى الله تعالى وجرت به المقادير قال أبو المظفر السمعاني سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولم يصل إلى ما يطمئن إليه القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار اختص الله تعالى به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وأوجب لنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه وقد طوى الله علم القدر عن العالم فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب وقيل إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل دخولها.اهـ
وروى الحاكم في مستدركه (2/405) قال حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقربناه نجيا قال سمع صريف القلم حين كتب في اللوح هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفيه عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال أول ما خلق الله القلم خلقه من هجا قبل الألف واللام فتصور قلما من نور فقليل له أجر في اللوح المحفوظ قال يا رب بماذا قال بما يكون إلى يوم القيامة فلما خلق الله الخلق وكل بالخلق حفظة يحفظون عليهم أعمالهم فلما قامت القيامة عرضت عليهم أعمالهم وقيل هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون عرض بالكتابين فكانا سواء قال بن عباس ألستم عربا هل تكون النسخة إلا من كتاب هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفيه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال إن أول شيء خلقه الله القلم فقال له اكتب فقال وما أكتب فقال القدر فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة قال وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء ففتقت منه السماوات ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه والأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإن الجبال تفخر على الأرض هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفيه أيضا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي مليا ثم التفت فقال يا غلام قلت لبيك يا رسول الله قال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الناس أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو جهد الناس أن يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا واعلم أن مع الصبر النصر واعلم أن مع الكرب الفرج واعلم أن مع العسر اليسر هذا حديث كبير عال من حديث عبد الملك بن عمير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلا أن الشيخين رضي الله تعالى عنهما لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد روي الحديث بأسانيد عن بن عباس غير هذا.
وفي المعجم الكبير للطبراني عن سراقة بن مالك قال قلت يا رسول الله أنعمل على ما قد جف به القلم وجرت به المقادير أو لأمر مستقبل قال يا سراقة اعمل لما جف به القلم وجرت به المقادير فإن كلا ميسر.
([81]) ورد ذكر العرش في القرآن في عدة مواضع، نوردها لك هنا
في سورة الأعراف(إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين[54])
وفي التوبة(فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم[129])
وفي سورة يونس(إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون[3])
وفي سورة الرعد(الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون[2])
وفي سورة الإسراء(قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا[42])
وفي سورة طه(بِسْم اللهِ الرَحمن الرَحيم طه [1] ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى[2] إلا تذكرة لمن يخشى[3] تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى[4] الرحمن على العرش استوى[5] له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى[6] وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى[7])
وفي سورة الأنبياء(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون[22])
وفي سورة المؤمنون(قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون[84] سيقولون لله قل أفلا تذكرون[85] قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم[86] سيقولون لله قل أفلا تتقون[87] قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون[88] سيقولون لله قل فأنى تسحرون[89])
وفي سورة المؤمنون أيضا(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون[115] فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم[116])
وفي سورة الفرقان(وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا[58] الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا[59])
وفي سورة النمل(إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم[23] وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون[24] ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون[25] الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم[26])
وفي سورة السجدة(الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون[4])
وفي سورة غافر(وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار[6] الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم[7])
وفي سورة غافر(رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق[15])
وفي سورة الزخرف(قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين[81] سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون[82])
وفي سورة الحديد(بِسْم اللهِ الرَحمن الرَحيم سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم[1] له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير[2] هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم[3] هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير[4] له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور[5])
وفي سورة التكوير(إنه لقول رسول كريم[19] ذي قوة عند ذي العرش مكين[20])
وفي سورة البروج(إن بطش ربك لشديد[12] إنه هو يبدئ ويعيد[13] وهو الغفور الودود[14] ذو العرش المجيد[15] فعال لما يريد[16])
([82]) والكرسي قد ورد ذكره في القرآن في مواضع
قوله تعالى في سورة البقرة(الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم[255])
([83]) ورد إثبات أن إبراهيم عليه السلام خليل الله في القرآن، فقد قال الله تعالى في سورة النساء(ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا [125]). وورد أن الله كلم موسى تكليما في النساء أيضا فقال جل من قائل(ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما[164])، وفي سورة الأعراف(ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين[143]).
ورد إثبات أن سيدنا إبراهيم عليه السلام هو خليل الله تعالى في عدة أحاديث منها ما رواه الإمام البخاري عن أنس في حديث الشفاعة أن النبي عليه السلام قال فيه:" ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتون إبراهيم"، وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه عن معبد بن هلال العنزي قال انطلقنا إلى أنس بن مالك وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى فاستأذن لنا ثابت فدخلنا عليه وأجلس ثابتا معه على سريره فقال له يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة قال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذريتك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى عليه السلام فإنه كليم الله فيؤتى موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فأوتى فأقول أنا لها".
وفي رواية أخرى لمسلم عن أبي هريرة وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم الذي كلمه الله تكليما فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى صلى الله عليه وسلم لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له".
([84]) روى الإمام البخاري عن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضي الله تعالى عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر رضي الله تعالى عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله تعالى عنه فعرفت أنه الحق.
([85]) روى إسحاق بن راهويه في مسنده عن عائشة قالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبوح به أن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل أخبرنا العلاء بن عبد الجبار عن نافع بن عمر الجمحي وكان ثقة عن بن أبي مليكة قال يقولون إيمان فلان كإيمان فلان أترون إيمان فهدان مثل إيمان جبريل وكان رجلا متهما بالشراب أخبرنا محمد بن أعين قال قال بن المبارك وذكر له الإيمان فقال قوم يقولون إيماننا مثل جبريل وميكائيل إما فيه زيادة إما فيه نقصان هو مثله سواء وجبريل ريما صار مثل الوضع من خوف الله تعالى وذكر أشباه ذلك قال فقيل له إن قوما يقولون إن سفيان الثوري حين كان يقول إن شاء الله كان ذاك منه شك فقال بن المبارك أترى سفيان كان يسبقني في وحدانية الرب أو في محمد صلى الله عليه وسلم إنما كان استثناء في قبول إيمانه وما هو عند الله قال بن أعين قال بن المبارك والاستثناء ليس بشك ألا ترى إلى قول الله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين وعلم أنهم داخلون قال لو أن رجلا قال هذا نهار إن شاء الله ما كان شكا قال وقال شيبان لابن المبارك يا أبا عبد الرحمن ما تقول فيمن يزني ويشرب الخمر ونحو هذا أمؤمن هو قال بن المبارك لا أخرجه من الإيمان فقال على كبر السن صرت مرجئا فقال له بن المبارك يا أبا عبد الله إن المرجئة لا تقبلني أنا أقول الإيمان يزيد المرجئة لا تقول ذلك والمرجئة تقول حسناتنا متقبلة وأنا لا أعلم تقبلت مني حسنة وقال غير بن أعين قال له بن المبارك وما أحوجك إلى أن تأخذ سبورجة فتجالس العلماء قال إسحاق وأخبرني عدة أحمد بن زهير وعدة ممن شهد بن المبارك بالري فقال له المستملي يا أبا عبد الرحمن أن ها هنا قوما يقولون الإيمان لا يزيد فسكت عبد الله حتى سأله ثلاثا فأجابه فقال لا تعجبني هذه الكلمة منكم أن ها هنا قوما ينبغي أن يكون أمركم جمعا قال وقال نا عبد الله بن شوذب عن محمد بن جحادة عن سلمة بن كهيل عن هزيل بن شرحبيل قال قال عمر بن الخطاب لو وزن إيمان أبي بكر الصديق بإيمان أهل الأرض لرجحهم بلى أن الإيمان يزيد بلى أن الإيمان يزيد ثلاثا قال بن المبارك لم أجد بدرا من الإقرار بزيادة الإيمان إزاء كتاب الله قال إسحاق والمرجئة طائفة من الجهمية قال إسحاق وقد مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الجنة يرون ربهم وهو من أعظم نعم أهل الجنة وقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة يقول يومئذ مشرقة إلى الله ناظرة إلى الجنة وإنما معنى قول من قال تنتظر الثواب ولا يرون ربهم يوم القيامة قبل دخول الجنة ألا ترى إلى مجاهد حين فسر الآية فسره على معنى ما وصفنا قال إلى ربها ناظرة قال ينظرون الثواب تفسير الآية يجيء على أوجه وهي نواظر يوم القيامة فتجيء الآية مصدقة لمعنى الآية الأخرى وهي في الظاهر عند من يجهل تأويلها فحالف للآخر كما جهل من سأل بن عباس عن قوله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وعن قوله فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وكان في الظاهر إحداهما مخالفة للأخرى فأجابه بن عباس بأنهما مؤتلفتان فسر قوله فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون قال هذه النفخة الأولى إذا لم يبق على وجه الأرض لم يكن بينهم يومئذ نسب وقال إذا أدخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون فتبين أن معنى الايتين معنى واحد وكان في الظاهر خلافا حتى أن بن عباس قال للسائل ما أشبه عليك من نحو ذلك من القرآن فهو كما وصفنا فلذلك قلنا أن قول الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار في الدنيا وتصديق ذلك ما قالت عائشة من زعم أن محمدا رأى ربه فقد كذب لأن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار فقد تحقق عند من عقل عن الله عز وجل أن عائشة فسرت هذه الآية على الدنيا وتفسرها المبتدعة على أنها في الدنيا والآخرة فأسقطوا معنى هذه الآية وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وبين ما وصفنا في قول الله كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فأزال ذلك عن الكفار وثبتت الآية لأهل الجنة ولقد قيل لابن المبارك أن فلانا فسر الآيتين لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة على أنها مخالفة للأخرى فلذلك أرى الوقف في الرؤية فقال بن المبارك جهل الشيخ معنى الآية التي قال الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ليست بمخالفة وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة لأن هذه في الدنيا وتلك في الآخرة حتى إنه قال لا تفشوا هذا عن الشيخ تدعيه الجهمية ورآه منه غلطا ولو لم يكن فيما وصفنا إلا ما سأل موسى ربه الرؤية في الدنيا لما كان قد علم أن أهل الجنة يرون ربهم فيسأل ربه أن يريه في الدنيا فبين الله له قال انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل ساخ الجبل ولم يقو على نظر الرب قال موسى سبحانك تبت إليك وأنا أول من آمن بك أن لا يراك أحد في الدنيا قبل يوم القيامة.

([86]) قال الله تعالى في سورة يوسف(يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون[87]).
([87]) روى الإمام مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد وهذا حديث بن أبي شيبة قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقال لا إله إلا الله وقتلته قال قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح قال أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ قال فقال سعد وأنا والله لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين يعني أسامة قال قال رجل ألم يقل الله { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } فقال سعد قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
وفي المستدرك للحاكم عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية في أناس من أصحابه فاستبقنا أنا ورجل من الأنصار إلى العدو فحملت على رجل فلما دنوت منه كبر فطعنته فقتلته ورأيت أنه إنما فعل ذلك ليحرز دمه فلما رجعنا سبقني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لا فارس خير من فارسكم إنا استلحقنا رجلا فسبقني إليه فكبر فلم يمنعه ذلك أن قتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أسامة ما صنعت اليوم فقلت حملت على رجل فكبر فرأيت أنه إنما فعل ليحرز دمه فقتلته فقال كيف بعد الله أكبر فهلا شققت عن قلبه فقلت ما قال فلم يزل يقول لي يومئذ فلا أقاتل رجلا يقول الله أكبر مما نهاني عنه حتى ألقاه صلى الله عليه وسلم.

([88]) قال الله تعالى في سورة النحل(من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم[106]).
وروى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال ما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث قال ما الإسلام قال الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان قال ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال متى الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها إذا ولدت الأمة ربها وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله عنده علم الساعة} الآية ثم أدبر فقال ردوه فلم يروا شيئا فقال هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم قال أبو عبد الله جعل ذلك كله من الإيمان.
وأخرج البخاري عن محمد بن جبير عن أبيه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي.
([89]) قال تعالى في سورة الأنفال(وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون[34]).وقال تعالى في سورة الأعراف(إن وليِّيَ اللهُ الذي نزَّلَ الكتابَ وهو يتولى الصالحين[196])
([90]) روى ابن حبان في صحيحه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. ورواه الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) فقال صلى الله عليه وسلم إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وهو في سنن أبي داود وفي الترمذي عن أنس بن مالك. ورواه غيرهم.
وفي مسند أبي يعلى عن يزيد الرقاشي عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي قال فقال تصديق هذا في القرآن قال فقرأ علينا إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما فهؤلاء الذين يجتنبون الكبائر وهؤلاء الذين واقعوا الكبائر بقيت لهم شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم قال فقال يزيد لأنس صدقت.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matoury25.ahlamountada.com
العروابي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 158
نقاط : 2899
تاريخ التسجيل : 16/01/2010
الموقع : ام هجيليجة

مُساهمةموضوع: رد: متن العقيدة الطحاوية   مايو 30th 2010, 20:42

([91]) روى البخاري في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا وقرأ هذه الآية كلها فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
وفي سنن أبي داود عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن الصنابحي قال زعم أبو محمد أن الوتر واجب فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه. ورواه أيضا الإمام البيهقي في سننه الكبرى، وفي مسند الإمام أحمد
([92]) روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية قال وهيب حدثنا عمرو الحياة وقال خردل من خير.
وروى البخاري في الصحيح عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا رجل يخرج من النار حبوا فيقول الله اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه انها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول أتسخر مني أو تضحك مني وأنت الملك فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه وكان يقال ذلك أدنى أهل الجنة منزلة.
وفي حديث الشفاعة الطويل الذي رواه البخاري عن أنس بن مالك، بعد أن يحمد النبي عليه الصلاة والسلام ربه بمحامد ويخرج أناسا من النار، يقول صلى الله عليه وسلم:" فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود قال النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة".
([93]) ذكره الخطيب في تاريخ بغداد (6/402):" عن بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا خلف من قال لا اله الا الله وصلوا على من قال لا اله الا الله".
قال الزيلعي في نصب الراية(2/26):" قال عليه السلام صلوا خلف كل بر وفاجر قلت أخرجه الدارقطني في سننه عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا خلف كل بر وفاجر وصلوا على كل بر وفاجر وجاهدوا مع كل بر وفاجر انتهى قال الدارقطني مكحول لم يسمع من أبي هريرة ومن دونه ثقات انتهى ومن طريق الدارقطني رواه بن الجوزي في العلل المتناهية وأعله بمعاوية بن صالح مع ما فيه من الانقطاع وتعقبه بن عبد الهادي وقال إنه من رجال الصحيح انتهى والحديث رواه أبو داود في سننه في كتاب الجهاد وضعفه بأن مكحولا لم يسمع من أبي هريرة ولفظه قال الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر والصلاة واجبة على كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر انتهى ومن طريق أبي داود رواه البيهقي في المعرفة وقال إسناده صحيح إلا أن فيه انقطاعا بين مكحول وأبي هريرة وله طريق آخر عند الدارقطني عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام بن عروة عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة مرفوعا سيليكم من بعدي ولا البر ببره والفاجر بفجوره فاسمعوا له وأطيعوا فيما وافق الحق وصلوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن اساءوا فلكم وعليهم انتهى ومن طريق الدارقطني رواه بن الجوزي في العلل وأعله بعبد الله هذا قال أبو حاتم متروك الحديث وقال بن حبان لا يحل كتب حديثه قال بن الجوزي وسئل أحمد عن حديث صلوا خلف كل بر وفاجر فقال ما سمعنا به انتهى"
وقال ابن حجر في تلخيص الحبير(2/35) عن حديث "صلوا خلف كل بر وفاجر":" قال العقيلي ليس في هذا المتن إسناد يثبت ونقل بن الجوزي عن أحمد أنه سئل عنه فقال ما سمعنا بهذا وقال الدارقطني ليس فيها شيء يثبت وللبيهقي في هذا الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف وأصح ما فيه حديث مكحول عن أبي هريرة على إرساله وقال أبو أحمد الحاكم هذا حديث منكر"
([94]) السيف هنا كناية عن القتل، وقد ورد النهي عن قتل المسلم إلا بحق الإسلام. وهذا المعنى مشهور. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام، "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها".
([95]) روى الإمام مسلم في صحيحه عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم.وهو في الترمذي، وسنن البيهقي الكبرى،وفي المعجم الكبير
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كيف بك يا عبد الله إذا كان عليكم أمراء يضيعون السنة ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها قال كيف تأمرني يا رسول الله قال تسألني بن أم عبد كيف تفعل لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل.
وفي مسند الإمام أحمد أيضا: حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد يعنى بن هارون أنا هشام عن محمد قال جاء رجل إلى عمران بن حصين ونحن عنده فقال استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان فتمناه عمران حتى قال له رجل من القوم ألا ندعوه لك فقال له لا ثم قام عمران فلقيه بين الناس فقال عمران إنك قد وليت أمرا من أمر المسلمين عظيما ثم أمره ونهاه ووعظه ثم قال هل تذكر يوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الله تبارك وتعالى قال الحكم نعم قال عمران الله أكبر.
([96]) قال الله تعالى(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)
([97]) قال العلامة البرتي:"إنما ذكر هذا لئلا يقع في الشك فيما ذكرنا من العقائد عندما يشتبه عليه شيء، أو يعتريه سؤال ولا يمكن دفعه، فحينئذ يجب عليه أن يفوض أمر ذلك وعلمه إلى الله فإنه هو العالم بحقائق الأشياء، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا يمكن للبشر معرفة كنه دقائق الأشياء وحقائقها إلا بتعليم وإلهام من الله، فإن الملائكة مع صفاء جواهرهم اعترفوا بالعجز عن العلم من ذواتهم، حيث قالوا(لا علم لنا إلا ما علمتنا) فكيف البشر مع شواغلهم عن التوجه إلى جناب القدس، وقد قال تعالى(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)."اهـ
([98]) قال البابرتي في شرحه:"إنما ذكر هذا ردا على أهل الرفض فإنهم أنكروا جواز المسح على الخفين، وهذا وإن كان من أحكام الفقه لكنه لما اشتهرت فيه الآثار ألحقه بالعقائد دفعا لإنكار المنكرين، قال أبو الحسن الكرخي:إني لأخشى الكفر على من لا يرى المسح على الخفين."اهـ
وبعد هذا التوضيح فإن العجب يزداد من جرأة السقاف ومسارعته إلى القول عند تعليقه على هذه الفقرة ص646:"لا معنى لإيراد هذه المسألة في كتب العقائد، وإنما مكانها في باب المسح على الخفين في كتاب الطهاة من كتب الفقه، وفي مسائل الفقه المجمع عليها ما هو أولى أن يورده هنا لو قَبِلْنا طرح أمثال هذه المسألة هنا، مثل قولنا ونرى أن صلاة الصبح ركعتين وأن في كل ركعة ركوع واحد وسجود واحد وسجدتين …إلخ، فتنبه".اهـ
أقول: قد تنبهنا، ورأينا أنك لم تتنبه، والعجب من إطلاق مثل هذا الاعتراض هنا بهذه الجرأة، مع أن كل من تكلم على عقيدة الطحاوي فإنه ذكر وجه إيراد هذه المسألة هنا، بل إن صاحب العقائد النسفية قد ذكر هذه المسألة هنا، بل وذكر غيرها من المسائل الفقهية لنفس السبب الذي وضحناه نحن ولم تتنبه إليه أنت. فهل كان النسفي والتفتازاني شارح النسفية لا يعرفون أن موقع هذه المسائل إنما هو في الفقه؟؟!
وما أحسن ما ذكره الإمام السعد التفتازاني في شرحه على العقائد النسفية في مسألة التكوين ص134 من الطبعة العثمانية:"ولكنه ينبغي للعاقل أن يتأمل في أمثال هذه المباحث لا ينسب إلى الراسخين من علماء الأصول ما يكون استحالته بديهية ظاهرة على من له أدنى تمييز، بل يطلب لكلامهم محملا صحيحا يصلح محلا لنزاع العلماء واختلاف العقلاء."اهـ فهذا الكلام على اختصاره قاعدة في هذا الباب، لم يتنبه إليه الشيخ السقاف في أكثر الكتاب.والله تعالى هو الموفق إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.
([99]) قال البابرتي في شرحه:"إنما قال مع أولي الأمر، لأن الحج والجهاد متعلقان بالسفر واجتماع العساكر والقوافل، ولا بد فيه من ضابط يضبط أمور الناس عند اختلافهم ويقاوم العدو ويحسم مادة السراق، فلو لم يكن فيهم أمير يقع الخلل في أكثر الأمور، فيحتاجون إلى من يرجعون إليه في الأمور ويطيعونه ويكون نافذ الأمر فيهم، وهو السلطان أو نوابه من الأمراء، سواءا كان برا أو فاجرا، لأن العصمة ليست بشرط في الأمير، فإذا كان فيه نفع عام وانتظام مصلحة الرعية يصلح للإمامة وإن كان فاجرا، فإن فجوره لا يضر إلا نفسه."اهـ
ولا يفهم من كلام المصنف أن الإمام شرط في الحج والجهاد، بل غاية ما يريده هنا أن الإمام إن كان فاجرا فإن ذلك لا يقدح في جواز الحج معه أو مع من ينيبه. وكذلك الجهاد.
وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة. وهو في السنن الكبرى للبيهقي.
وفي سنن البيهقي الكبرى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله لا يكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار وحديث مكحول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا قد مضى في باب الإمامة وكتاب الجنائز.
واعلم أنه لم يشترط أحد من الفقهاء المعتبرين لجواز الحج أن يكون الأمير موجودا.
وبعد ذلك فإن لك أن تتعجب مما قاله السقاف في تعليقه على هذه الفقرة ص647:"اعلم أنه ليس من شرط مضي الحج والجهاد أن يكونا مع أولي الأمر من المسلمين سواء برهم وفاجرهم."اهـ ثم قال إصرارا منه على الغلط في حق هؤلاء:" ومسلمو الدول الغير الإسلامية كمسلمي فرنسا والنرويج وأمريكا وأشباهها تحت راية أي أمير سيحجون، برا كان أو فاجرا، وبأي دليل يتم التعيين؟؟!!
لذا نرى أن هذا الذي قاله المصنف رحمه الله تعالى غير صواب فضلا عن أن ما ذكره ليس مناسبا في أبواب العقائد. والظاهر أن الزمن الذي كانوا يعيشون فيه اضطرهم لقول ذلك تقليدا لمن كان قبلهم ممن أثر فيهم الفكر الأموي ثم فكر الجبابرة العباسيين الذين نهجوا نفسه النهج في هذه القضية، والمُكْرَهُ له أحكام ولله في خلقه شئون!!"اهـ
انتهى كلامه ويا ليته ما قاله، وما أعظم الشأن في شأنه، وما في كلامه من مفاسد وتهجمات وتحاملات، وانسياق وراء عاطفته لا يخفى على عاقل.والله المستعان.
([100]) قال تعالى(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)
([101]) قال تعالى في سورة السجدة(وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون[10] قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون[11]).
([102]) روى الإمام البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم فقال له قائل ما أكثر ما تستعيذ من المغرم فقال إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف وعن الزهري قال أخبرني عروة أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال.
وفي صحيح البخاري أيضا عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعذب الناس في قبورهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذا بالله من ذلك ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة مركبا فخسفت الشمس فرجع ضحى فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الحجر ثم قام يصلي وقام الناس وراءه ..وفي آخره … ثم رفع فسجد وانصرف فقال ما شاء الله أن يقول ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر.
وقال البخاري في صحيحه(1/461):" باب ما جاء في عذاب القبر وقوله تعالى ( إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون ) هو الهوان والهون الرفق وقوله جل ذكره (سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) وقوله تعالى (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)"اهـ
وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا لي إن أهل القبور يعذبون في قبورهم فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما فخرجتا ودخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له يا رسول الله إن عجوزين وذكرت له فقال صدقتا إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها فما رأيته بعد في صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.
وفي صحيح مسلم عن طاوس قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عوذوا بالله من عذاب الله عوذوا بالله من عذاب القبر عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات.
وفي رواية عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتعوذ من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة الدجال.رواه مسلم في صحيحه.
واعلم أن الأدلة على ثبوت عذاب القبر كثيرة، والمراد بعذاب القبر أعم من أن يكون عذابا فقط في القبر بل الحياة البرزخية وهي الحياة المتوسطة بين الدنيا والآخرة، وكما أنه يوجد عذاب في القبر فإنه كذلك يوجد نعيم فيه. كما سيأتي بيانه لاحقا. قال البقاعي في كتاب سر الروح ص245:"واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ فكل ميت أراد تعذيبه ناله ما أراده منه، قُبِرَ أو لم يُقْبَرْ، لو صلب أو غرق في البحر ولو أكلته الدواب، أو حرق حتى صار رمادا، وذري في الريح فسبحان ذي القدرة الشاملة والعظمة الباهرة الكاملة.اهـ
قال الإمام أبو المعين النسفي في التبصرة(2/763):"أثبت جمهور الأمة عذاب القبر للكافرين ولبعض العصاة من المؤمنين، والإنعامَ في القبر وسؤال منكر ونكير لورود الدلائل السمعية في ذلك"، ثم قال بعد أن ذكر بعض الأدلة من القرآن والسنة"وأنكرت الجهمية وبعض المعتزلة ذلك".اهـ
فالذي أنكر عذاب القبر ونعيمه هم الجهمية وبعض المعتزلة، ولم ينكر جميع المعتزلة عذاب القبر، ويؤيد هذا النقل ما قاله القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة ص730:"فصل في عذاب القبر، وجملة ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة، إلا شيء يحكى عن ضرار بن عمرو وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة، ولهذا ترى ابن الراوندي يشنع علينا ويقول إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرون به"اهـ، فالذي ينكر عذاب القبر من المعتزلة إذن هو ضرار، وتأمل حكاية عدم وجود خلاف في عذاب القبر من القاضي عبد الجبار، فلا تغتر بعد ذلك بمن زعم أن المعتزلة أي جميعهم ينكرون ذلك، بل لا يجوز نسبة ذلك إليهم أصلا، إلا مع الإشارة إلى أن جمهورهم أثبته.ونقل ابن المرتضى في كتاب القلائد ص128 إنكار عذاب القبر عن بشر المريسي وضرار وابن كامل. وأثبت للأكثر إثباته. وهذا موافق لقول أبي المعين النسفي.
([103]) وردت هذه اللفظة ضمن حديث طويل في كتاب الترمذي ولكن قد قال عنه:" قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". وعلى كل الأحوال فإنه لم يرد العذاب إلا على أصحاب الكفر، أو الكبائر، فيفهم من هذا أن غيرهم في نعيم.
([104]) سوف نفصل الكلام على مسألة الصراط خلافا لغيرها من المسائل لما حدث من تشكيك فيها في هذا الزمان مما سنشير إليه فيما يلي بتوفيق الله تعالى.
وأول ما نبدأ به هو بيان موقف الفرق الإسلامية من الصراط وذلك أخذا من كتبهم
مذهب أهل السنة في الصراط:
فأما أهل السنة فقد أثبتوا أصل الصراط واختلفوا في كيفيته، فإثبات أصله كما هو مذكور في كلام المصنف أعلاه، ومشهور في كتب أهل السنة.قال العلامة البيجوري في حاشيته على الجوهرة ص180 بعد أن ذكر أن الصراط لغة الطريق الواضح: "وشرعا جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون حتى الكفار، خلافا للحليمي حيث ذهب إلى أنهم لا يمرون عليه، ولعله أراد الطائفة التي ترمى في جهنم من الموقف بلا صراط، وشمل ما ذكر النبيين والصديقين، ومن يدخل الجنة بغير حساب وكلهم ساكتون إلا الأنبياء فيقولون اللهم سلم سلم، كما في الصحيح. وفي بعض الروايات أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف، هو المشهور، ونازع في ذلك العز بن عبد السلام والشيخ القرافي وغيرهما كالبدر والزركشي، قالوا:وعلى فرض صحة ذلك فهو محمول على غير ظاهره بأن يؤول بأنه كناية عن شدة المشقة، وحينئذ فلا ينافي ما ورد من الأحاديث الدالة على قيام الملائكة على جنبيه وكون الكلاليب فيه، زاد القرافي والصحيح أنه عريض وفيه طريقان يمنى ويسرى، فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة منها تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم، وقال بعضهم إنه يدق ويتسع بحسب ضيق النور وانتشاره، فعرض صراط كل أحد بقدر انتشار نوره، فإن نور كل إنسان لا يتعداه إلى غيره، فلا يمشي أحد في نور أحد، ومن هنا كان دقيقا في حق قوم وعريضا في حق آخرين" ثم قال:"واتفقت عليه الكلمة في الجملة، أي بقطع النظر عن إبقائه على ظاهره كما هو مذهب أهل السنة، وصرفه عنه كما هو مذهب كثير من المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى أن المراد به طرق الجنة وطريق النار. وقيل المراد به الأدلة الواضحة."اهـ
وهذا الكلام على طوله يبين حاصل الأقوال في مسألة الصراط.
مذهب المعتزلة:
وأما بيان حاصل مذهب المعتزلة فلا يقوم به حق القيام إلا أحد أئمتهم المشهود لهم، ولا أحد أولى بذلك من القاضي عبد الجبار، فقد قال في شرح الأصول الخمسة ص737:" ومن جملة ما يجب الإقرار به واعتقاده، الصراط، وهو طريق بين الجنة والنار يتسع على أهل الجنة ويضيق على أهل النار إذا راموا المرور عليه، وقد دل عليه القرآن، قال الله تعالى(إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم)، فلسنا نقول فيه ما يقوله الحشوية من أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف، وأن المكلفين يكلفون اجتيازه والمرور به، فمن اجتازه فهو من أهل الجنة، ومن لم يمكنه ذلك فهو من أهل النار، فإن تلك الدار ليست بدار تكليف، حتى يصح إيلام المؤمن وتكليفه المرور على ما هذا سبيله في الدقة والحدة، وأيضا فقد ذكرنا أن الصراط هو الطريق، وما وصفوه ليس من الطريق بسبيل، ففسد كلامهم فيه.
وقد حكى في الكتاب عن كثير من مشايخنا أن الصراط إنما هو الأدلة الدالة على هذه الطاعات التي من تمسك بها نجا وأفضى بها إلى الجنة ، والأدلة الدالة على المعاصي التي من ركبها هلك، واستحق من الله تعالى النار. وذلك مما لا وجه له، لأن فيه حملا لكلام الله تعالى على ما ليس يقتضيه ظاهره، وقد كررنا القول في أن كلام الله تعالى مهما أمكن حمله على حقيقته فذلك هو الواجب دون أن يصرف عنه إلى المجاز.
وعلى أنا لا نعرف من الأصحاب من ذكر ذلك إلا شيئا يحكى عن عباد، أن الصراط إنما هو الأدلة الدالة على وجوب هذه الواجبات والتمسك بها، وقبح هذه المقبحات والاجتناب منها، والفائدة في أن جعل الله تعالى إلى دار الجنة طريقا حال ما ذكرنا، هو لكي يتعجل به للمؤمن مسرة وللكافر غما، وليضمنه اللطف على ما سبق في نظائره.
وأحوال القيامة وكيفية الإعادة، أكبر من أن يحتمله هذا الموضع فنقتصر منها على هذا المقدار، ونسأل الله السلامة عن عذابه والفوز بثوابه إن سائله لا يخيب، وهو قريب مجيب. اهـ
فهذا هو قول المعتزلة من الصراط كما يوضحه أحد أكبر علمائهم، وتراه يستنكر على من أول الصراط بأنه الأدلة. فتحصل من هذا أن جمهور المعتزلة على إثبات الصراط، لا على نفيه كما يظنه بعض القاصرين.
مذهب الإباضية:
وقد حكى مذهب الإباضية السالمي كما في مشارق أنوار العقول(2/129) فقال بعد أن ذكر قول الأشاعرة في إثبات الصراط وأنه جسر:"وهذا كله ممكن، وليست المسألة من باب الدين، فقد ذهب إلى مثل ما ذهبوا إليه بعض أصحابنا، منهم الشيخ هود بن محكم القاسم البرادي والشيخ إسماعيل في القناطر وقطب الأئمة في الهيميان وجامع الشمل ومعول استدلال القائلين بالجسرية قوله تعالى(فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون)، وقوله تعالى(فاهدوهم إلى صراط الحجيم، وقفوهم إنهم مسئولون)…ثم قال… والذي يظهر لي إبقاء الأحاديث على أصلها من غير تعرض لردها على راويها وتفويض أمره إلى الله، فمن صدقها من غير قطع بكفر من خالفه فيها فقد أحسن ظنه بالراوي ولا بأس عليه إن شاء الله."اهـ، والحاصل والله أعلم أن الجمهور من الإباضية على نفي الصراط بالاعتماد على كلام السالمي، وأن بعض أئمتهم قالوا به، والمسألة عند الجميع ليست من الأصول القطعية، على كل الأحوال.
مذهب الشيعة في الصراط:
قال الشيخ الطوسي المتوفى في سنة 460هـ في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد ص222:"وأما الصراط فقال قوم إنه طريق أهل الجنة والنار، وأنه يتسع لأهل الجنة ويتسهل لهم سلوكه ويضيق على أهل النار ويشق عليهم سلوكه، وقال آخرون المراد به الحجج والأدلة المفرقة بين أهل الجنة والنار المميزة بينهم"اهـ ولم يوضح بالتحديد قول الشيعة المختار ولكن ظاهر كلامه هو وجود خلاف بينهم.
ولكن قد نص العلامة جعفر السبحاني على مذهبهم فيه في كتابه المسمى بالإلهيات (2/766)، وذلك بعدما ذكرا بعض الكلام عن مفهوم الصراط مطلقا:"وفي ضوء هذا يتبين أن لله سبحانه في هذه النشأة الدنيوية صراطين، أحدهما تكويني في سلوكه كمال الموجود وبقاؤه، والآخر تشريعي يختص بالإنسان فيه فوزه وسعادته. نعم ويستظهر من الذكر الحكيم ويدل عليه صريح الروايات وجود صراط آخر في النشأة الأخروية يسلكه كل مؤمن وكافر"الخ. وهذا تصريح منه بأن الحق وجود الصراط.
وقال العلامة الطوسي في تجريد الاعتقاد ص338 مع شرح الحلي:"وسائر السمعيات من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب مكنة دل السمع على ثبوتها فيجب التصديق بها"اهـ وأيده جلال الدين الحلي على ذلك في شرحه مع زيادة بيان الخلاف في صورته كما سبق.
وبعد فقد ذكرنا لك طائفة من أقوال الفرق الإسلامية في الصراط، وبان لك أن المذهب الحق عند غالب الطوائف والقول المعتبر هو إثبات الصراط، ولو أخذنا نسبة من خالف في ذلك إلى من أثبته، لم يتجاوز ذلك نسبة ضئيلة بالمائة، لا يلتفت إليها.
ولكن المتفق عليه عند جميع الفرق هو جواز وجود الصراط ومن خالف ولم يقل أحد باستحالة ذلك، ومن خالف فيه الصراط فإنما محل خلافه كان في وقوع ذلك الجائز. وحتى من خالف فإنه لم يجزم بالمخالفة بل صرح بأن كلامه عبارة عن ترجيح منه.
فالحاصل أن المعتمد عند جماهير الفرق الإسلامية إنما هو إثبات الصراط مع الاختلاف في صورته، والله تعالى أعلم.
الشروع في ذكر الأدلة الدالة على الصراط:
أما الآيات القرآنية:
أولا: قوله تعالى في سورة الفاتحة(اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7))، قد استدل بها على الصراط القاضي عبد الجبار كما سبق ذكره.
ثانيا:وفي سورة المؤمنون(وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74))
ثالثا:وفي سورة يس(ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستَبَقُوا الصراط فأنى يُبْصِرون (66))
رابعا:وفي سورة الصافات(من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23))
خامسا:وفي سورة مريم(وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71))
قال العلامة أبو السعود في تفسيره 5/276):"أي واصلها وحاضر دونها يمر بها المؤمنون وهي خامدة وتنهار بغيرهم، وعن جابر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال لهم قد وردتموها وهي خامدة، وأما قوله تعالى أؤلئك عنها مبعدون، فالمراد به الإبعاد عن عذابها. وقيل ورودها الجواز على الصراط الممدود عليها"اهـ
قال الواحدي في الوسيط (3/192):"قال ابن زيد : ورود المسلمين النار:العبور على الجسر، وورود الكافرين أن يدخلوها".اهـ
وأما الأحاديث النبوية:
أولا: ما رواه الإمام البخاري عن عن أبي هريرة أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها شافعوها أو منافقوها شك إبراهيم فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاءنا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم المؤمن يبقى بعمله أو الموبق بعمله أو الموثق بعمله ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه ثم يتجلى حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود تأكل النار بن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار هو آخر أهل النار دخولا الجنة فيقول أي رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فيدعو الله بما شاء أن يدعوه ثم يقول الله هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله ان يسكت ثم يقول أي رب قدمني إلى باب الجنة فيقول الله له ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسألني غير الذي أعطيت أبدا ويلك يا بن آدم ما أغدرك فيقول أي رب ويدعو الله حتى يقول هل عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره ويعطي ما شاء من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الحبرة والسرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي رب أدخلني الجنة فيقول الله ألست قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت فيقول ويلك يا بن آدم ما أغدرك فيقول أي رب لا أكونن أشقى خلقك فلا يزال يدعو حتى يضحك الله منه فإذا ضحك منه قال له ادخل الجنة فإذا دخلها قال الله له تمنه فسأل ربه وتمنى حتى إن الله ليذكره يقول كذا وكذا حتى انقطعت به الأماني قال الله ذلك لك ومثله معه قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله تبارك وتعالى قال ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدري أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ذلك لك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة فذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة.
ورواه الحاكم بلفظ فيه بعض الاختلاف، لا من جهة الصراط. ورواه النسائي في السنن الكبرى. وفي الترمذي عن أبي هريرة.والإمام أحمد في مسنده.
ثانيا: وفي صحيح مسلم عن أبي عاصم يعني محمد بن أبي أيوب قال حدثني يزيد الفقير قال كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس قال فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالس إلى سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإذا هو قد ذكر الجهنميين قال فقلت له يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون والله يقول { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } و { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } فما هذا الذي تقولون قال فقال أتقرأ القرآن قلت نعم قال فهل سمعت بمقام محمد عليه السلام يعني الذي يبعثه الله فيه قلت نعم قال فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج قال ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه قال وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك قال غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها قال يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم قال فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس فرجعنا قلنا ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد أو كما قال أبو نعيم.
ثالثا:وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلا من وراء وراء اعمدوا إلى موسى صلى الله عليه وسلم الذي كلمه الله تكليما فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى صلى الله عليه وسلم لست بصاحب ذلك فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق قال قلت بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا.
وهو في المستدرك عن حذيفة وأبي هريرة بسند قال فيه الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
رابعا: وفي صحيح مسلم أيضا عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل{ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات }فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله فقال على الصراط.
ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وروي من غير هذا الوجه عن عائشة. وابن ماجه عنها أيضا.
ورواه الترمذي بلفظ آخر عن عائشة أنها قالت يا رسول الله { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه } فأين المؤمنون يومئذ قال على الصراط يا عائشة هذا حديث حسن صحيح.
وهو في صحيح ابن حبان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها سألته عن قوله { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار } فأين يكون الناس يومئذ فقال على الصراط قالت قلت يا رسول الله بن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه قال لا ينفعه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
ورواه أيضا الحاكم في المستدرك.والدارمي في سننه.ورواه الإمام احمد في مسنده.
وفي مسند الإمام أحمد رواية عن عائشة بلفظ آخر عن القاسم بن الفضل قال قال الحسن قالت عائشة يا رسول الله { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات } أين الناس قال ان هذا لشيء ما سألني عنه أحد من أمتي قبلك الناس على الصراط.
خامسا: وفي صحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليمر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف تخطف الناس يمينا وشمالا وبجنبتيه ملائكة يقولون اللهم سلم سلم فمن الناس من يمر مثل الريح ومنهم من يمر مثل الفرس المجرى ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشى مشيا ومنهم من يحبو حبوا ومنهم من يزحف زحفا فأما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون ولا يحيون واما أناس فيؤخذون بذنوب وخطايا فيحرقون فيكونون فحما ثم يؤذن في الشفاعة فيؤخذون ضبارات ضبارات فيقذفون على نهر من انهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اما رأيتم الصبغاء شجرة تنبت في الفضاء فيكون من آخر من اخرج من النار رجل على شفتها فيقول يا رب صرف وجهي عنها فيقول عهدك وذمتك لا تسألني غيرها قال وعلى الصراط ثلاث شجرات فيقول يا رب حولنى الى هذه الشجرة آكل من ثمرها وأكون في ظلها فيقول عهدك وذمتك لا تسألني شيئا غيرها قال ثم يرى أخرى أحسن منها فيقول يا رب حولنى إلى هذه آكل من ثمرها وأكون في ظلها قال فيقول عهدك وذمتك لا تسألني غيرها ثم يرى أخرى أحسن منها فيقول يا رب حولنى الى هذه آكل من ثمارها وأكون في ظلها قال ثم يرى سواد الناس ويسمع كلامهم فيقول يا رب أدخلنى الجنة قال أبو نضرة اختلف أبو سعيد ورجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما فيدخله الجنة فيعطى الدنيا ومثلها وقال الآخر فيدخل الجنة فيعطى الدنيا وعشرة امثالها قال أبو حاتم رضي الله تعالى عنه هكذا حدثنا أبو يعلى وعلى الصراط ثلاث شجرات وانما هو على جانب الصراط ثلاث شجرات.
ورواه الحاكم في المستدرك.
سادسا:وفي صحيح ابن حبان عن أنس بن مالك عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن آخر من يدخل الجنة رجل يمشى على الصراط فهو يكبو مرة وتسفعه النار أخرى حتى إذا جاوزها التفت إليها فيقول تبارك الذي نجانى منها فوالله لقد أعطاني شيئا ما أعطاه أحدا من العالمين قال ثم ترفع له شجرة فيقول يا رب ادننى منها لعلي استظل بظلها وأشرب من مائها قال فيقول الله يا بن آدم لعلي ان أعطيتكه سألتنى غيرها فيقول لا يا رب ويعاهده ان لا يفعل وهو يعلم انه فاعله لما يرى مما لا صبر له عليه فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة أخرى هي أحسن من الأولى فيقول يا رب ادننى منها لأستظل بظلها وأشرب من مائها فيقول ألم تعاهدنى ان لا تسألني غيرها فيقول بلى يا رب ولكن ادننى منها لأستظل بظلها وأشرب من مائها فيعاهده ان لا يسأله غيرها فيدنيه منها ويعلم انه سيسأله غيرها لما يرى ما لا صبر له عليه قال فترفع له شجرة أخرى عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول يا رب ادننى منها لأستظل بظلها واشرب من مائها فيقول ألم تعاهدنى ان لا تسألني غيرها فيقول بلى يا رب ولكن ادننى منها فإذا انا منها سمع اصوات أهل الجنة فيقول يا رب ادخلنى الجنة فيقول الله جل وعلا أيرضيك يا بن آدم ان أعطيك الدنيا ومثلها معها فيقول أتستهزىء بي وأنت رب العالمين فيقول ما استهزىء بك ولكننى على ما أشاء قادر قال فكان بن مسعود إذا ذكر قوله أتستهزىء بي ضحك ثم قال ألا تسألونى مما اضحك فقيل مما تضحك فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر ذلك ضحك.
ورواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن مسعود.
سابعا: وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالموت يوم القيامة فيوقف على الصراط المستقيم فيقال يا أهل الجنة فينطلقون خائفين وجلين ان يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه ثم يقال يا أهل النار فينطلقون فرحين مستبشرين ان يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه فيقال هل تعرفون هذا فيقولون نعم ربنا هذا الموت فيأمر به فيذبح على الصراط ثم يقال للفريقين كلاهما خلود ولا موت فيه ابدا. وهذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك، وابن ماجه في سننه. ورواه الإمام أحمد في مسنده.
ثامنا: روى الحاكم في المستدرك عليه وسلم شعار المسلمين على الصراط يوم القيامة اللهم سلم سلم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
تاسعا: وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله تعالى عنه وإن منكم إلا واردها قال الصراط على جهنم مثل حد السيف فتمر الطائفة الأولى كالبرق والثانية كالريح والثالثة كأجود الخيل والرابعة كأجود الإبل والبهائم ثم يمرون والملائكة تقول رب سلم سلم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
عاشرا: روى الحاكم في المستدرك عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله رضي الله تعالى عنه والفجر قال قسم إن ربك لبالمرصاد مرور الصراط ثلاثة جسور جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرحم وجسر عليه الرب عز وجل هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الحادي عشر: في الحاكم أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليحبس أهل الجنة بعدما يجاوزون الصراط على قنطرة فيؤخذ لبعضهم من بعض مظالمهم التي تظالموها في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن في دخول الجنة فلأحدهم أعرف بمنزله في الآخرة منه بمنزله كان في الدنيا قال قتادة قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ما يشبه إلا أهل جمعة انصرفوا من جمعتهم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الثاني عشر: عن الحسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ذكرت النار فبكيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك يا عائشة قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحد أحدا حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الكتب حتى يقال هاؤم أقرءوا كتابيه حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أو من وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثير يحبس الله بها من شاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا هذا حديث صحيح إسناده على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة على أنه قد صحت الروايات أن الحسن كان يدخل وهو صبي منزل عائشة رضي الله تعالى عنها وأم سلمة.
الثالث عشر: رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عثمان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول الله تعالى لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة من تجيز على هذا فيقول من شئت من خلقي فيقول سبحانك ما عبدناك حق عبادتك هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
الرابع عشر: رواه الإمام الترمذي في الجامع الصحيح عن النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل قال قلت يا رسول الله فأين أطلبك قال اطلبنى أول ما تطلبني على الصراط قال قلت فإن لم ألقاك على الصراط قال فاطلبنى عند الميزان قلت فإن لم ألقك عند الميزان قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطىء هذه الثلاث المواطن قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه.ورواه الإمام أحمد في مسنده.
الخامس عشر: ما رواه الإمام أحمد عن أنس قال حدثني نبي الله صلى الله عليه وسلم إني لقائم أنتظر أمتي تعبر عن الصراط إذ جاءني عيسى فقال هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يشتكون أو قال يجتمعون إليك ويدعون الله عز وجل أن يفرق جمع الأمم إلى حيث يشاء الله لغم ما هم فيه والخلق ملجمون في العرق وأما المؤمن فهو عليه كالزكمة وأما الكافر فيتغشاه الموت قال قال عيسى انتظر حتى أرجع إليك قال فذهب نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى قام تحت العرش فلقى ما لم يلق ملك مصطفى ولا نبي مرسل فأوحي الله عز وجل إلى جبريل اذهب إلى محمد فقل له ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع قال فشفعت في أمتي أن اخرج من كل تسعة وتسعين إنسانا واحدا قال فما زلت أتردد على ربي عز وجل فلا أقوم مقاما الا شفعت حتى أعطاني الله عز وجل من ذلك ان قال يا محمد أدخل من أمتك من خلق الله عز وجل من شهد انه لا إله إلا الله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك.
السادس عشر: وفي مشند الإمام أحمد عن عقبة بن صهبان قال سمعت أبا بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يحمل الناس على الصراط يوم القيامة فتقادع بهم جنبة الصراط تقادع الفراش في النار قال فينجى الله تبارك وتعالى برحمته من يشاء قال ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء أن يشفعوا فيشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون ويشفعون ويخرجون وزاد عفان مرة فقال أيضا ويشفعون ويخرجون من كان في قلبه ما يزن ذرة من إيمان.
الثامن عشر: روى الإمام مسلم عن أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اسمى محمد الذي سماني به أهلي فقال اليهودي جئت أسألك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال سل فقال اليهودي أين يكون الناس{يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة قال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد النون قال فما غذاؤهم على أثرها قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني الله به.
وهذا الحديث في صحيح ابن خزيمة أيضا، وابن حبان،والسنن الكبرى للنسائي،وفي سنن البيهقي الكبرى وع زيادات، وفي المعجم الكبير للطبراني،وكذلك المعجم الأوسط،
وقال ابن حجر في فتح الباري(11/377):" وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية يوم تبدل الأرض غير الأرض أين يكون الناس حينئذ قال على الصراط وفي رواية الترمذي على جسر جهنم ولأحمد من طريق بن عباس عن عائشة على متن جهنم واخرج مسلم أيضا من حديث ثوبان مرفوعا يكونون في الظلمة دون الجسر فقد جمع بينها البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط كما سيأتي بيانه في ترجمة مستقلة وأن في قوله على الصراط مجازا لكونهم يجاوزونه لأن في حديث ثوبان زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها"اهـ
التاسع عشر: روى ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليمر الناس على جسر جهنم وعليه حسك وكلاليب وخطاطيف تخطف الناس يمينا وشمالا وبجنبتيه ملائكة يقولون اللهم سلم سلم فمن الناس من يمر مثل الريح ومنهم من يمر مثل الفرس المجرى ومنهم من يسعى سعيا ومنهم من يمشى مشيا ومنهم من يحبو حبوا ومنهم من يزحف زحفا…الخ.
ورواه الإمام أحمد، وأبو يعلى في مسنده.
وفي المستدرك للحاكم عن مجاهد قال قال لي بن عباس أتدري ما سعة جهنم قلت لا قال أجل والله ما تدري أن بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا أودية القيح والدم قلت له أنهار قال لا بل أودية ثم قال أتدري ما سعة جهنم قلت لا قال أجل والله ما تدري حدثتني عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } قلت فأين الناس يومئذ يا رسول الله قال على جسر جهنم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matoury25.ahlamountada.com
العروابي
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 158
نقاط : 2899
تاريخ التسجيل : 16/01/2010
الموقع : ام هجيليجة

مُساهمةموضوع: رد: متن العقيدة الطحاوية   مايو 30th 2010, 20:45

(red]]) ورد القرآن بالميزان فقد قال الله تعالى(فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه فأمه هاوية). وقال تعالى في سورة الأنبياء(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين[47]).
روى الإمام البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده.
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبايع نفسه فمعتقها أو موبقها.
وفي صحيح ابن حبان عن أبي سلمى راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقيته بالكوفة في مسجدها قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بخ بخ وأشار بيده بخمس ما أثقلهن في الميزان سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه.
ورواه أيضا الحاكم في المستدرك.
وفي مستدرك الحاكم عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت فتقول الملائكة يا رب لمن يزن هذا فيقول الله تعالىلمن شئت من خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة من تجيز على هذا فيقول من شئت من خلقي فيقول سبحانك ما عبدناك حق عبادتك هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وفي صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خصلتان لا يحصيهما عبد إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل يسبح الله أحدكم في دبر كل صلاة عشرا ويحمده عشرا ويكبره عشرا فتلك خمسون ومئة باللسان وألف وخمس مائة في الميزان وإذا أوى إلى فراشه يسبح ثلاثا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ويكبر أربعا وثلاثين فتلك مائة باللسان وألف في الميزان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيكم يعمل في يوم وليلة ألفين وخمس مائة سيئة قال عبد الله بن عمرو ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقدهن بيده قال فقيل يا رسول الله وكيف لا يحصيها قال يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته فيقول اذكر كذا اذكر كذا ويأتيه عند منامه فينومه قال حماد بن زيد كان أيوب حدثنا عن عطاء بن السائب بهذا الحديث فلما قدم عطاء البصرة قال لنا أيوب قد قدم صاحب حديث التسبيح فاذهبوا فاسمعوه منه.
وفيه أيضا عن أم الدرداء عن أبى الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان اثقل ما وضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن وان الله يبغض الفاحش البذئ.
ورواه أبو داود في سننه.
وروى الترمذي في سننه النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل قال قلت يا رسول الله فأين أطلبك قال اطلبنى أول ما تطلبني على الصراط قال قلت فإن لم ألقاك على الصراط قال فاطلبنى عند الميزان قلت فإن لم ألقك عند الميزان قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطىء هذه الثلاث المواطن قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه.
فالحاصل أن أصل الميزان ثابت، وأما صفته وصورته فلا تثبت بطريق قطعي، فلا ينبغي الجزم بصورة معينة له.
([106]) والأدلة النقلية على كون الله تعالى خالقا لكل شيء كثيرة، منها قوله تعالى في سورة الرعد(قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار[16])، وقوله تعالى في سورة الزمر(الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل[62]) وفي سورة فاطر(يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون[3])،وفي سورة غافر(ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون[62])وفي سورة النحل(أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون[17])،وفي النحل أيضا(والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون[20])، فأنت ترى أيها القارئ كيف أثبت الله تعالى لنفسه الخلق في آيات، ونفاه عن غيره في آيات أخرى، فثبت من هذا حصر الخلق في الله تعالى. وبعد ذلك لا يجوز أن يدعي واحد لنفسه القدرة على الخلق مطلقا.
وهل حصر الخلق في الله تعالى يلزم منه أن العباد كلهم مجبورون على أفعالهم؟ قلنا: هذا سؤال ناتج عن سوء فهم، وضيق فكر، فالخلط بين مفهوم الجبر والخلق، واشتراط الاختيار بالخلق، هو السبب في ذلك. وتحرير هذا المحل، أن نقول، إن الخلق هو الإيجاد بعد العدم، والمخلوق هو الموجود بعد العدم. والاختيار هو حصول إرادة الفعل فيك، ولا يشترط في الاختيار أن تخلق أنت الفعل، بل لو اوجده لك غيرك وأنت اخترته فقط، لصح أن يقال إنك الذي اخترت هذا الفعل، وصح نسبة الفعل إليك على طريق الكسب، مع أنك لم توجده. فكونك مختارا لا يشترط له أن تكون خالقا، بل العكس هو الصحيح، أي إذا سلمنا أنك خالق، فيجب أن تكون مختارا، لأن شرط الخلق هو الاختيار، ولا يقال إن شرط الاختيار هو الخلق.فافهم هذا.
فالإنسان مختار وليس خالقا، فهو مختار لأفعاله وليس خالقا لها. ولا يترتب على ذلك كونه مجبورا، لأن الجبر هو حصول الفعل على خلاف الإرادة، وهنا لم يحصل الفعل إلا على وفاق الإرادة، فكيف يقال إن الناس مجبورون. ولكن غاية ما وقع هو أن الإنسان ليس هو الذي خلق الفعل، بل الله هو الذي خلقه، وأما الإنسان فهو الذي اكتسبه. فالفعل منسوب إلى الإنسان كسبا، وإلى الله تعالى خلقا.قالالله تعالى في سورة القرة(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون[134])، وفي البقرة أيضا(يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد[267])، لاحظ كيف نسب الله تعالى الكسب إلى الإنسان في الآية الأولى، وقد رأيتَ كيف نسب الخلق إلى ذاته الجليلة في الآيات السابقة، وتأمل كيف قال (أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض) فالله تعالى نسب الإخراج من الأرض إلى ذاته، ونسب للإنسان الكسب. فدل ذلك على أن الإنسان لا يخلق.وقال تعالى في سورة البقرة(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم[225])،وأيضا(واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون[281])،وأيضا (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين[286])، فقد نسب الله تعالى إلى الخلق أنهم لا يطيقون إلا الكسب، وقد نفى عنهم الخلق في الآيات السابقة، فدل ذلك على أنهم لا يطيقون الخلق، وقال في آخرها(ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) وقد عرفت أن الخلق لا يطيقون الخلق، وما نسب إلى طاقتهم إنما هو الكسب. وقد أعلمنا الله تعالى في سورة إبراهيم أن الجزاء لا يكون إلا على الكسب فقال(ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب[51])، فدل ذلك على أن الخلق ليس شرطا في التكليف، بل الكسب هو الشرط فيه. وما ذكرناه هنا فيه كفاية لمن يريد الهداية.
وقد لجأ العلماء من أهل السنة إلى مفهوم الكسب الذي هو غير مفهوم الخلق، لما رأوه من آيات عديدة في القرآن الكريم، تنسب إلى الله تعالى الخلق، وتنفي الخلق عن غير الله تعالى، وآيات تنسب الكسب إلى العبد، فعلموا أن العبد فاعل على سبيل الكسب، وأن الله تعالى فاعل لا على سبيل الكسب بل على سبيل الخلق. وعلموا أن الكسب ليس خلقا، وعلموا أن الكسب كاف في ترتب الثواب والعقاب، بل كاف في ترتب التكاليف على الإنسان.
وحاصل معنى الكسب هو أن الله تعالى لما علم منذ الأزل ما سوف يفعله الإنسان من أفعال، وذلك كله على حسب إرادته، وفي الأوقات المعينة بعد وجوده، فإنه جلَّ شأنه يخلق للعبد الفعل الذي علم أنه سوف يريده، فالفعل يكون بإيجاد الله تعالى، وكسب من العبد، فيكون فيه شبه الوصف للعبد، وأما الله تعالى فلا يتصف مطلقا بفعل من أفعاله. بل أفعاله تأتي نتيجة صفاته. ولهذا فإن الله إذا علم أن العبد سوف يختار الكفر فإنه يخلقه له، ويودعه فيه في الوقت الذي علم أنه يختاره، فيصبح الكفر صفة من صفات العبد لا صفة من صفات الله تعالى، فالله تعالى هو موجد الكفر، ولكن على وفاق ما أراده العبد. وكذلك إذا علم الله تعالى أن العبد يختار الإيمان، فإنه يخلقه له، فيصير العبد مؤمنا، والله تعالى خالق الإيمان، فالذي ينسب إليه الإيمان والكفر على سبيل الكسب إنما هو العبد، وأما الله تعالى فينسب إليه ذلك على سبيل الخلق والإيجاد. وكذلك إذا أراد الإنسان الشرَّ، أو الخير.
ولا يلزم من ذلك أن يكون الله تعالى شريرا لأن الشرير هو من يتصف بالشر، لا من يوجده، والإنسان هو الذي يتصف بالشر، لاكتسابه له، وأما الله تعالى فهو خالقه، فلا يكتسب شيئا من أفعاله، لاستحالة اتصافه تعالى بصفة حادثة. هذا كله على القول بأن الشر حقيقة موجود، وأما على القول بأن الشر لا يوجد في نفس الأمر بل إنما هو صفة اعتبارية منسوبة للعبد، فلا إشكال هنا مطلقا.
ويعبر أهل السنة عن الكسب بأن الله تعالى يخلق الفعل في العبد عند إرادة العبد الإتيان بالفعل، ويخلق له كذلك القدرة المصاحبة لفعله، فقدرة العبد وفعله متلازمان وليس الفعل موجودا بإيجاد قدرته، بل قدرته وفعله موجودان بإيجاد قدرة الله تعالى، وذلك كله على حسب تعلق علم الله الأزلي.
([107]) هذه العبارة من كلام الإمام الطحاوي لها موقع خطير ومعنى جليل، لم أرَ من تصدى للكشف عنه إلا أقل القليل. وقد تقدم بعض المجسمة إلى الاعتراض عليها من أصلها، وأبطلوا معناها الذي فهموه ، ولم يكلفوا أنفسهم بالنظر لعل المصنف قد قصد أمرا آخر. وها نحن نقصد إلى ذكر مواقفهم المختلفة من هذه العبارة، ثم نأتيك بالكلام المحقق فيها والله الموفق.
أما الشيخ حسن السقاف، فلم يتعرض لهذه العبارة، شأنه دائما في الأمور التي تحتاج إلى فهم ودقة نظر، بل مرَّ عليها كأنها لم تكن. ووجه العجب من تصرف السقاف أنه هو المتصدي والمدعي للاجتهاد في هذا الباب.
وأما ابن باز، فقد قال بكل جرأة في التعليق على هذه العبارة: هذا غير صحيح بل المكلفون يطيقون أكثر مما كلفهم به سبحانه ولكنه عز وجل لطف بعباده ويسر عليهم ولم يجعل عليهم في دينهم حرجا فضلا منه وإحسانا، والله ولي التوفيق."اهـ
فهذه عبارته وسوف يأتي كلامنا عليها، ونقد ما فيها.
وأما الشيخ عبدالله الهرري في كتابه إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية، فقد قال في ص205:"الجملة الأولى معناها ظاهر(يقصد قوله ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يُطِيْقُون)، أي ليس للعباد أن يلزموهم إلا ما كلفهم الله به، فيطيقون في الجملة الأولى بضم الياء وكسر الطاء، وأما الثانية فيتعين قراءتها بضم الياء وفتح الطاء وتشديد الياء التي بعدها(أي ولا يُطَيَّقون)، ولا يصح معنى هذه الجملة الثانية إلا على هذا الوجه لظهور فساده، لأن المعنى على ذلك ينحل إلى أن العباد لا يستطيعون أن يفعلوا سوى ما كلفهم الله به، والواقع أن العباد قادرون على أن يخالفوا ما كلفهم به وذلك حال أكثر البشر، وهذا التحقيق مما فتح الله به، ولم نرَ شارحا عرج عليه ولله الحمد."اهـ
فكلام الهرري فيه نوع حُسْنٍ، ومحاولة طيبة لتفسير هذه العبارة. وأما نحن فإن لنا كلاما قد ذكرناه في ما كتبناه على اعتراضات ابن باز على العقيدة الطحاوية، في سنة 1991للميلاد. وها نحن نذكره هنا لفائدته، مع رجاء أن نكون فيه من المصيبين.
والحق أن المعنى الذي اقترحه الشيخ الهرري جيد، ولكنه متكلف، وعلى كل الأحوال، فإنه قد بذل جهدا بعدما لاحظ الإشكال الذي يمكن أن ينشأ عن عبارة الطحاوي هذه، فاقترح هذا الحل.
ولكن قد ظهر لي بعد الفكر أن عبارة الطحاوي هذه إذا كانت مبنية على أن معنى التكليف هو المشقة، فإن ظاهر الفكر قد ينتج عنه أن الإنسان يطيق أكثر مما كلفه به الله تعالى، وذلك لأنه لا شك أن الإنسان يمكن أن يصلي زيادة عن الصلوات الخمسة، ويزكي زيادة عن ما فرضه الشرع، وهكذا، فيكون الله بناءا على هذا المعنى قد لطف بالعباد ولم يكلفهم جميع ما يطيقون. ولكن هذا المعنى ظاهري عندي. ولا يناسب تتمة كلام الطحاوي، فإنه قد جعل هذه العبارة تفسيرا لقولنا لا حول ولا قوة إلا بالله. وإذا كانت هي كذلك فلا يجوز أن يراد بالتكليف المشقة فقط، بل ما هو شامل لها ولغيرها، فيدخل تحت التكليف جميع الأحكام الشرعية الخمسة، فالتوفيق يكون في الواجب والمندوب والمباح وليس فقط في الواجبات.
واعتمادا على هذه المقدمة نقول:
التكليف إذا أطلق عمَّ أنواع الأحكام الشرعية الخمسة وهي الوجوب والحرمة والندب والكراهة والإباحة، وهذه تشتمل على كل ما يمكن أن يُتَصَوَّرَ من مراتب الطلب في الشرائع. ومن المعلوم أن الشرائع أنزلت لحكمة وعاقبة حميدة، لمصلحة الخلق أجمعين، وذلك لتوصل الإنسان وغيره إلى كمال وجوده،فإذا وقف المكلف عند حدود الشرع، ووقف في كل نوع من أنواع الأحكام حسب مرتبته فأذ بالواجب على أنه واجب وبالمندوب على أنه مندوب وبالمباح على أنه مباح إلى آخره، فإنه يصل إلى كمال وجوده على حسب طاقته ووسعه، وبالتدريج.
فأوامر الله تعالى ومطلوباته من عبيده تعلقت بكل شيء مما يتصور أن يتلبس الإنسان به، أو يكون له مدخل في حياته في الدنيا والآخرة.
وبما أن أوامر الله تعالى عامة التعلق، والله تعالى لا يأمر إلا بما يرضى، وإذا أمر أمر به على الوجه الذي يرضاه، ولا ينهى إلا عما لا يحب، وإذا نهى نهى على الوجه الذي أحب. ولا نتصور أمرا خارجا عن أوامر الله ونواهيه له مدخل في الرسالة والشرائع.
فيتحصل مما مضى أن الشره الذي أنزله الله تعالى لا يتصور فيه نقص ولا قصور، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.
والله لا يأمر العباد إلا بما يطيقون، وما يأمرهم به لا يكون شرا، فيتحصل لنا من هاتين الكلمتين أن الشرَّ لا يطيقه العباد، وما يظهر لنا من الإنسان حين يشرب الخمر أنه يطيقه، فهذه إاطقة ظاهرية ومؤقتة غير معتبرة، وذو العقل السليم لا يلتفت إليها، لأن حاصل شرب الخمر هو هلاك الجسد، والإنسان لا يطيق هلاك نفسه، والشرور إنما هي نقصان في وجود الموجود، والموجود لا يطيق عدم بعضه، لأن الإطاقة فعل يتعلق بموجود، والمعدوم ليس بشيء فلا تتعلق به إطاقة، لهذا قرر المحققون من علماء الأصول أنه لا تكليف إلا بفعل، فالفعل وجودي مطلقا.
ومما مضى يتبين ذو التحقيق أن كلام من اعترض على الطحاوي في هذه العبارة باطل، جملة وتفصيلا.
ومن الوجوه التي يمكن أن يتبين بها بطلان كلام المعترضين: أنهم يقولون بأن الخلق يطيقون أكثر مما كلفهم، ولكنه لم يكلفهم به، إذن يوجد شيء يمكن أن يتعلق به حكم شرعي ولكن الشرع لا يطاله ولا يتعلق به، وهذا تصريح بنقصان الشريعة.
وأيضا هذا الذي لم يكلفهم به الشرع، إما أن يكون خيرا أو شرا، فإن كان شرا، فيلزم أن يرضى الله بالشر على قولهم، وهو باطل، وإن كان خيرا، وهم يطيقونه، فعدم تكليفهم به بل عدم دلالته لهم عليه مناف للحكمة ولكون الشريعة كاملة، وهذا قدح في الحضرة العلية، وهو كفر.
وأما قولهم ولكنه عزَّ وجل لطف…الخ، فأقول: لطف الله إنما يمكن في عدم تكليف العباد ما لا يطيقون، لا في عدم تكليفهم بما يوصلهم إلى كمالهم، فالتكليف تشريف، وعدم التكليف بما يدخل تحت الطاقة يضاد التشريف، فأين يذهب اللطف؟!
([108]) الحَيْنُ هو الهلاك والمحنة. وفي بعض النسخ (تقدس عن كل سوء وشَيْنٍ) والشين هو النقص والعيب. وفي بعضها (تقدس عن كل سوء).
([109]) لما كان الظلم هو إعطاء الشيء غير ما يستحق، وكان كل ما سوى الله تعالى لا حق له ثابت إلا بتثبيت الله تعالى له، فإن الظلم منفي عن الله تعالى مطلقا.
وأما ما يعده الله تعالى لعباده، فإنه لا يخلفه، ولكن هذا لا يكون حقا لهم ثابتا إلا بتثبيت الله تعالى له.والله تعالى لا يخلف وعده.
([110]) قال الشيخ الغنيمي في شرحه على العقيدة الطحاوية بعد أن ذكر أن دعاء الأحياء فيه منفعة للأموات:"وقد توارث السلف له، فلو لم يكن للأموات نفع فيه، لما كان له معنى، وقال عليه الصلاة والسلام:"ما من ميث يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه"، وعن سعد بن عبادة أنه قال يا رسول الله إن أم سعد ماتت، فأي صدقة أفضل، قال الماء. فحفر بئرا وقال هذه لأم سعد. والأحاديث والآثار في هذا الباب أكثر من أن تحصر."اهـ
وهذا الكلام قد نقله الغنيمي عن السعد في شرح العقائد النسفية كما نبه، وتكملة كلامه هناك:"وقال عليه الصلاة والسلام الدعاء يرد البلاء، والصدقة تطفئ غضب الرب، وقال عليه السلام إن العالم والمتعلم إذا مرا على قرية فإن الله تعالى يرفع العذاب عن مقبرة تلك القرية أربعين يوما."اهـ
([111]) ذكر العلامة الطحاوي هذا هنا، لئلا يتوهم متوهم أن الدعاء يؤثر بنفسه، بل الله تعالى هو الذي يستجيب للدعاء، فالأثر إنما هو صادر من الله تعالى، وهو الذي يقضي الحاجات. وهذا المعنى واضح.
([112]) معنى الحَيْنِ هو الهلاك. كما مضى.
لما ثبت أن الله تعالى هو الموجود الواجب الوجود، وثبت أن كل ما سواه فإنما هو ممكن الوجود، فقد لزم أن كل ما سوى الله تعالى فهو محتاج إلى الله تعالى، ولا يمكن أن يستغني كل ما سواه عنه طرفة عين، وإلا لأصبح من أهل الهلاك، وهذا مطابق لما قرره أئمة الكلام من أن الممكن محتاج إلى الله تعالى حال الإيجاد، وبعد ذلك، أي إنه محتاج إلى الله تعالى لاستمرار وجوده أيضا.
([113]) روى الإمام البخاري في صحيحه عن فاطمة عن أسماء قالت أتيت عائشة وهي تصلي فقلت ما شأن الناس فأشارت إلى السماء فإذا الناس قيام فقالت سبحان الله قلت آية فأشارت برأسها أي نعم فقمت حتى تجلاني الغشي فجعلت أصب على رأسي الماء فحمد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه ثم قال ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي حتى الجنة والنار فأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريب لا أدري أي ذلك قالت أسماء من فتنة المسيح الدجال يقال ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن لا أدري بأيهما قالت أسماء فيقول هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا هو محمد ثلاثا فيقال نم صالحا قد علمنا إن كنت لموقنا به وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أي ذلك قالت أسماء فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.
وفي البخاري أيضا عن مجاهد قال كنا عند بن عباس رضي الله تعالى عنهما فذكروا الدجال أنه قال مكتوب بين عينيه كافر فقال بن عباس لم أسمعه ولكنه قال أما موسى كأني أنظر إليه إذ انحدر في الوادي يلبي.
وفيه عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان.
وفيه أيضا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق.
وفي البخاري عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما حدثنا به أن قال يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة ينزل بعض السباخ التي بالمدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه فيقول الدجال أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم فيقول الدجال أقتله فلا أسلط عليه.
وقد روي في الدجال أحاديث غير هذه.
([114]) روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بادروا بالأعمال ستا طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم أو أمر العامة.
وروى الحاكم في المستدرك عن قيس بن سعد عن أبي الطفيل قال كنا جلوسا عند حذيفة فذكرت الدابة فقال حذيفة رضي الله تعالى عنه إنها تخرج ثلاث خرجات في بعض البوادي ثم تكمن ثم تخرج في بعض القرى حتى يذعروا وحتى تهريق فيها الأمراء الدماء ثم تكمن قال فبينما الناس عند أعظم المساجد وأفضلها وأشرفها حتى قلنا المسجد الحرام وما سماه إذ ارتفعت الأرض ويهرب الناس ويبقى عامة من المسلمين يقولون إنه لن ينجينا من أمر الله شيء فتخرج فتجلو وجوههم حتى تجعلها كالكواكب الدرية وتتبع الناس جيران في الرباع شركاء في الأموال وأصحاب في الإسلام هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي المستدرك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تخرج الدابة ومعها عصى موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصى وتخطم أنف الكافر بالخاتم حتى أن أهل الخوان يجتمعون فيقولون لهذا يا مؤمن ويقولون لهذا يا كافر.
وفي المستدرك عن أبي الزعراء قال كنا عند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فذكر عنده الدجال فقال عبد الله بن مسعود تفترقون أيها الناس لخروجه على ثلاث فرق فرقة تتبعه وفرقة تلحق بأرض آبائها بمنابت الشيح وفرقة تأخذ شط الفرات يقاتلهم ويقاتلونه حتى يجتمع المؤمنون بقرى الشام فيبعثون إليهم طليعة فيهم فارس على فرس أشقر وأبلق قال فيقتتلون فلا يرجع منهم بشر قال سلمة فحدثني أبو صادق عن ربيعة بن ناجذ أن عبد الله بن مسعود قال فرس أشقر قال عبد الله ويزعم أهل الكتاب أن المسيح ينزل إليه قال سمعته يذكر عن أهل الكتاب حديثا غير هذا ثم يخرج يأجوج ومأجوج فيمرحون في الأرض فيفسدون فيها ثم قرأ عبد الله وهم من كل حدب ينسلون قال ثم يبعث الله عليهم دابة مثل هذا النغف فتلج في أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها فتنتن الأرض منهم فيجأر إلى الله فيرسل ماء يطهر الأرض منهم قال ثم يبعث الله ريحا فيها زمهرير باردة فلم تدع على وجه الأرض مؤمنا إلا كفته تلك الريح قال ثم تقوم الساعة على شرار الناس ثم يقوم الملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه والصور قرن فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات إلا من شاء ربك ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون فليس من بني آدم خلق إلا منه شيء قال فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما ينبت الأرض من الثرى ثم قرأ عبد الله والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور قال ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فينطلق كل نفس إلى جسدها حتى يدخل فيه ثم يقومون فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين قال ثم يتمثل الله تعالى إلى الخلق فيلقاهم فليس أحد يعبد من دون الله شيئا إلا وهو مرفوع له يتبعه قال فيلقى اليهود فيقول من تعبدون قال فيقولون نعبد عزيرا قال هل يسركم الماء فيقولون نعم إذ يريهم جهنم كهيئة السراب قال ثم قرأ عبد الله وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا قال ثم يلقى النصارى فيقول من تعبدون فيقولون المسيح قال فيقول هل يسركم الماء قال فيقولون نعم قال فيريهم جهنم كهيئة السراب ثم كذلك لمن كان يعبد من دون الله شيئا قال ثم قرأ عبد الله وقفوهم إنهم مسؤولون قال ثم يتمثل الله تعالى للخلق حتى يمر على المسلمين قال فيقول من تعبدون فيقولون نعبد الله ولا نشرك به شيئا فينتهرهم مرتين أو ثلاثا فيقول من تعبدون فيقولون نعبد الله ولا نشرك به شيئا قال فيقولون هل تعرفون ربكم قال فيقولون سبحانه إذا اعترف لنا عرفناه قالف فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجدا ويبقى المنافقون ظهورهم طبقا واحدا كأنما فيها السفافيد قال فيقولون ربنا فيقول قد كنتم تدعون إلى السجود وأنتم سالمون قال ثم يأمر بالصراط فيضرب على جهنم فيمر الناس كقدر أعمالهم زمرا كلمح البرق ثم كمر الريح ثم كمر الطير ثم كأسرع البهائم ثم كذلك حتى يمر الرجل سعيا ثم مشيا ثم يكون آخرهم رجلا يتلبط على بطنه قال فيقول أي رب لماذا أبطأت بي فيقول لم أبطأ بك إنما أبطأ بك عملك قال ثم يأذن الله تعالى في الشفاعة فيكون أول شافع روح القدس جبريل صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم خليل الله ثم موسى ثم عيسى عليهما الصلاة والسلام قال ثم يقوم نبيكم رابعا لا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه وهو المقام المحمود الذي ذكره الله تبارك وتعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا قال فليس من نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة أو بيت في النار قال وهو يوم الحسرة قال فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة ثم يقال لو عملتم قال فتأخذهم الحسرة قال ويرى أهل الجنة البيت في النار فيقال لولا أن من الله عليكم قال ثم يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون فيشفعهم الله قال ثم يقول الله أنا أرحم الراحمين فيخرج من النار أكثر مما أخرج من جميع الخلق برحمته قال ثم يقول أنا أرحم الراحمين قال ثم قرأ عبد الله ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين قال فعقد عبد الله بيده أربعا ثم قال هل ترون في هؤلاء من خير ما ينزل فيها أحد فيه خير فإذا أراد الله عز وجل أن لا يخرج منها أحد غير وجوههم وألوانهم قال فيجئ الرجل فينظر ولا يعرف أحدا فيناديه الرجل فيقول يا فلان أنا فلان فيقول ما أعرفك فعند ذلك يقول ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون فيقول عند ذلك اخسئوا فيها ولا تكلمون فإذا قال ذلك أطبقت عليهم فلا يخرج منهم بشر هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي المستدرك أيضا عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال جلس إلى مروان ثلاثة نفر بالمدينة فسمعوه يحدث عن الآيات أولها خروج الدجال فقام النفر من عند مروان فجلسوا إلى عبد الله بن عمرو فحدثوه بما قال مروان فقال عبد الله لم يقل مروان شيئا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها أو الدابة أيهما كانت أولا فالأخرى على أثرها قريبا ثم نشأ يحدث قال وذلك أن الشمس إذا غربت أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شيء قال ثم تعود تستأذن في الرجوع فلم يرد عليها شيء قال يا رب ما أبعد المشرق من لي بالناس حتى إذا كان الليل أتت فاستأذنت فقال لها اطلعي من مكانك قال وكان عبد الله يقرأ الكتب فقرأ وذلك يوم لا ينفع إيمانها نفسا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
([115]) روى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هذا حديث صحيح على شرطهما جميعا من حديث بن سيرين ولم يخرجاه وحدث البخاري عن إسحاق عن روح عن عوف عن خلاس ومحمد عن أبي هريرة قصة موسى أنه آدر.
وهو في سنن البيهقي الكبرى بلفظ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد.
ورواه الإمام أحمد بهذا اللفظ عنه وعن الحسن، وإسحاق بن راهويه.
وفي مسند أبي يعلى عبد الله أنه قال من أتى عرافا أو ساحرا أو كاهنا فسأله فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا عن عبد الله بن مسعود في الأوسط للطبراني وغيره.
وهذا المعنى كثير في السنة
.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://matoury25.ahlamountada.com
عفاف
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar

عدد المساهمات : 99
نقاط : 2630
تاريخ التسجيل : 03/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: متن العقيدة الطحاوية   يونيو 3rd 2010, 18:40

نقل مبارك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سارة
عضو جديد
عضو جديد
avatar

عدد المساهمات : 44
نقاط : 2563
تاريخ التسجيل : 04/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: متن العقيدة الطحاوية   يونيو 11th 2010, 21:53

مشكووووووووووووووووور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
متن العقيدة الطحاوية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: القسم الاسلامي :: المنتدي الاسلامي العام-
انتقل الى: